استكمالا للنقاش حول ما يحدث لليرة التركية من الانهيار الكامل اللي ناقشناه في الجزء الأول، وبعدها التعافي الجزئي اللي حصل لها، هنتكلم في الجزء دا عن القرارات الأخيرة اللي أخدها أردوغان من 10 أيام تقريباً وحصل بعدها ارتفاع كبير في سعر الليرة وآراء المؤيدين والمعارضين للقرارات دي والمخاطر اللي بتمثلها على الاقتصاد التركي على المدى الطويل والمتوسط.

*****

– الآلية الجديدة وريمونتادا الليرة:

يوم الاتنين 20 ديسمبر 2021 بالليل، وفي الوقت اللي وصل فيه سعر الليرة لمستوى غير مسبوق من.الانخفاض (أكثر من 18 ليرة للدولار الواحد)، خرج الرئيس التركي أردوغان في مؤتمر صحفي بعد اجتماع الحكومة، وأعلن قرارات جديدة خفضت من حدة انهيار الليرة ، رفعت سعرها لـ(13 ليرة للدولار الواحد) وقت كتابة البوست ده.
– ايه اللي حصل بالظبط؟
أردوغان أعلن مجموعة من القرارات أهمها إنشاء آلية اقتصادية جديدة توفر تعويضاً مالياً للأتراك اللي خايفين من انخفاض سعر الليرة وتأثيرة على قيمة مدخراتهم وودعائهم فكانوا بيحولوها لدولارات عشان تفضل محافظة علي قيمتها، ببساطة أردوغان قال: “يا جماعة ما تحولوش الليرة لدولار، والفرق عليا أنا (طبعاً المقصود خزينة الدولة)”. ازاي؟
مثلا لو انت حاطط في البنك ألف ليرة، وقيمتهم وقت الإيداع كانت 100 دولار، وبعد 3 شهور الألف ليرة دول زاد عليهم فائدة بنسبة 14% يعني 140 ليرة، فلوسك بقت 1140، ساعتها البنك هيبص على سعر صرف الدولار، لو الـ 1140 ليرة بتوعك لسة يساووا 100 دولار أو أكتر يبقى تمام، هتقدر تسحب الفلوس بالفائدة اللي زادت عليها.
لكن لو الـ1140 ليرة قيمتهم بقت أقل من 100 دولار، خزينة الدولة هتكمل لك الفلوس لحد ما يبقوا 100 دولار (سعر الصرف الأصلي في اللحظة اللي تم فيها الإيداع).
كمان بالتزامن مع الإعلان عن الآلية الجديدة، الحكومة ضخت بشكل غير مباشر مبالغ دولارية من خلال البنوك الحكومية (مش البنك المركزي)، فبالتالي توفّرت دولارات في السوق والناس كمان نزلت باعت دولارات واشترت ليرة، فسعر الدولار نزل.
الصحفي التركي جنيد أوزدمير عبّر عن استغرابه الشديد من اللي حصل، ووصف أردوغان بالساحر اللي كل ما الناس تقول إنه خلّص اللي عنده، يقوم مطلع لهم أرنب من طاقيته.
عموماً الآلية دي فيه محللين اقتصاديين زي عمر رفعت جنجال سمّوها دولرة dollarization بمعنى ربط فلوس الودائع البنكية بالدولار، لكنها مش دولرة كاملة لأنها مشروطة بأن زيادة سعر الصرف الدولار قدام الليرة تكون أكثر من الفائدة، ودا يعني إن الجهاز المصرفي ما زال بيتعامل بالليرة التركية.
وعلى مدار الأيام اللي فاتت القرارات دي أصبحت محل جدل واسع في تركيا بين مؤيديها ورافضيها، رغم إن العاقلين منهم (مش مشجعي الكورة) متفقين على أنها في أحسن الأحوال، مسكن مرحلي لاحتواء أزمة سعر الصرف.
فمثلاً المؤيدين لسياسة أردوغان الاقتصادية شايفين إن الخطوة دي هتبطئ انهيار سعر الليرة، لغاية ما قرارات خفض سعر الفائدة، تؤتي ثمارها من ارتفاع معدلات النمو وتراجع التضخم، ووقتها ثقة المستثمرين في الليرة والاقتصاد في تركيا هتتحسن بشكل تلقائي، بالإضافة إلى أنهم بيراهنوا على عدم تدهور سعر الليرة مرة تانية وبالتالي الدولة مش هتحتاج إلى أنها تلجأ لدفع أموال للمودعين اللي فلوسهم زائد فوائدها مش هتكون أقل (بكتير) من قيمة الفلوس بالدولار وقت إيداعها.
مهم نشير هنا إلى أن أردوغان لسة مصمم على الاستمرار في تخفيض سعر الفائدة لحد ما تبقى من رقم واحد (يعني أقل من 10%)، ودي خطوة تقريباً كل الاقتصاديين بيُجمعوا على أنها هتؤدي لانخفاض سعر الليرة أكتر، لكنهم مختلفين على مقدار الانخفاض دا.
*****

– “الفائدة المقنّعة”.. مشكلات ومخاطر:

فيه نقطة تانية مهمة يتفق فيها كثير من المؤيدين مع المعارضين، وهي إن الخطوة دي تعني عملياً رفع سعر الفائدة بشكل غير مباشر، وانتشر على وسائل إعلام تركية تعبير “الفائدة المقنّعة” أو “الفائدة التي لا تُسمى فائدة” (بالتركي: Faiz olmayan faiz).
وده هيؤدي إلى أن كل المشكلات اللي كان أردوغان بيأكد أن ارتفاع أسعار الفائدة بيسببها، هتفضل قائمة يمكن بشكل أكبر، يعني مثلا ده ينطبق على فكرة إن الناس هتوجّه فلوسها للودائع البنكية بدل الاستثمار في الإنتاج مع ضمان إنهم مش هيخسروا، وتهيئة أجواء آمنة للمضاربة في أسعار العملة وفتح الباب لما يُسمى بحركة الأموال الساخنة (hot money).
– ايه فكرة الأموال الساخنة؟ وايه خطورتها في ظل النظام الجديد؟
الأموال الساخنة فكرة مرتبطة بتشجيع مضاربين من خارج تركيا على إنهم يشتروا ليرات كتير مع ارتفاع سعرها فبالتالي سعر الليرة يرتفع أكتر، لكن بعد فترة لو المضاربين دول لقوا إن الليرة سعرها بينزل مرة تانية هيبيعوها، ودا ممكن في لحظة يسبب هبوط حاد في سعر الصرف، اللي هيبقى بينعكس مباشرة على احتياطي الدولة من النقد الأجنبي، لأن فلوس الودائع مربوطة بيه، حسب كلام إرهان أسطى الاقتصادي والنائب في البرلمان عن “الحزب الجيد” المعارض.
*****

“يعيدوننا إلى تركيا البائسة التي كانت قبل 40 أو 50 عاماً”

دا كان تعليق علي باباجان اللي حذّر من تكرار ما حصل في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات في تركيا، لما الدولة في ظل الانهيار الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي قررت إنها تربط “جزئياً” الودائع البنكية بسعر صرف الدولار، أو بالتركي (Dövize Çevrilebilir Mevduat (DVÇ.
باباجان في مؤتمر صحفي لتقييم التطورات قال إن حكومة أردوغان بتاخد نفس القرارات اللي اتاخدت من أكتر من 40 سنة، وعرض تعليق الرئيس الراحل تورجوت أوزال سنة 1989 اللي قال: “لا ترتكبوا أخطاءً سببها عدم الدراسة والتعقّل.. أتمنى أن يتعلم شبابنا الدرس مما حدث، لو لم نضطر لدفع قيمة تلك الودائع بالنقد الأجنبي بين عامي 1984 و1989، لكان بإمكاننا: منح كل عائلة مليون ليرة، بناء 9 آلاف مدرسة، 900 مصنع، 500 مستشفى، إنشاء طريق سريع بطول 4 آلاف كيلومتر، توظيف مئة ألف شخص من مواطنينا”.
لكن فيه نقطة مهمة أشار إليها الباحث في الشؤون التركية سعيد الحاج، وهي إنه على الرغم من خبرة باباجان الاقتصادية الكبيرة وتحقيقه إنجازات (بالمعايير الرأسمالية) وقت وجوده في السلطة، إلا إننا حالياً ما نقدرش نفصل “الاقتصادي” عن “السياسي” في كلامه، بمعنى هل تقييمه الحاد دا نابع من رؤيته الاقتصادية الخالصة ولا جاي في إطار الصراع السياسي مع أردوغان والعدالة والتنمية مع اقتراب ميعاد الانتخابات؟ دا سؤال صعب جداً الإجابة عنه.
*****

الانتخابات على الأبواب

كل التطورات الاقتصادية اللي ذكرناها دي بتحصل في لحظة حساسة جداً على المستوى السياسي، فمن ناحية الشارع التركي حالياً واصل لأقصى درجات الاستقطاب، ومن ناحية تانية دا كله بيحصل قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بسنة ونص بس.
ناس كتير تساءلوا ليه أردوغان قرر ياخد الخطوات العنيفة دي بتخفيض سعر الفائدة رغم إنه عارف أثر دا على الليرة دلوقتي؟ الحقيقة مفيش إجابة حاسمة للسؤال، لكن بشكل عام فيه محللين أشاروا إلى أنها مغامرة أردوغان يخوضها في وقت أسهم تحالفه الحاكم (تحالف الشعب بين حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية) بتشهد هبوط واضح، فبالتالي بمنطق “ليس هناك ما تخسره”، هو قرر ياخد الخطوة اللي هو مقتنع إنها هتنعكس إيجاباً على الوضع الاقتصادي المتدهور في البلد.
*****

أحزاب المعارضة كلها تقريباً أول ما شافوا اللي بيحصل، دعوا لانتخابات مبكرة، فهل ممكن فعلاً دا يحصل؟

عملياً حسب الدستور، إجراء انتخابات مبكرة في تركيا مينفعش يحصل إلا بقرار من رئيس الجمهورية أو بموافقة 60% من نواب البرلمان، يعني 360 نائب من 600. لكن أردوغان قفل المسار ده و أكّد إن مفيش انتخابات مبكرة وأن الأمور ستسير في مساراتها القانونية الطبيعية لحد ميعاد الانتخابات في يونيو 2023.
والمسار الثاني تقريباً مستحيل لأن لا التحالف المعارض ولا تحالف السلطة عندهم الرقم الكافي من النواب عشان القرار دا يتمرر، لذلك فالموضوع في الأغلب مجرد ضغط بتحاول المعارضة تمارسه عشان تأكد للناخبين ولو على المستوى النفسي، فشل النظام الحالي في إدارة الدولة.
على الرغم من كدا، داود أوغلو قال إنه لسه بيراهن على ضمائر برلمانيين من حزب العدالة والتنمية، يعني ببساطة يدعوهم للاستقالة والانضمام للمعارضة وبالتالي تمرير قرار الانتخابات المبكرة.
بس النقطة الأهم هنا سواء في حالة إجراء الانتخابات في ميعادها أو تبكيرها، مين اللي ممكن ينافس أردوغان؟
حتى الآن مفيش إجابة للسؤال، لكن رئيس حزب الشعب الجمهوري كيليتشدار أوغلو، قال في 15 ديسمبر إن لو تحالف الأمة (التحالف المعارض اللي بيضم حزبه والحزب الجيد)، قرر يرشحه في الانتخابات، “سأتشرّف بذلك”، ودا بيدي انطباع إن مفيش نية حتى الآن عند أكبر حزب معارض إنه يتجّه لمرشح توافقي، زي ما كان فيه محاولات لإقناع عبد الله جل للترشح ضد أردوغان في انتخابات 2018.
إنما بشكل عام يبدو إن الوقت لسة بدري لحسم القرار بخصوص الموضوع، ودي النقطة اللي أكّدها باباجان لما اتسأل نفس السؤال.
*****
الخلاصة إن الفترة الجاية هتكون مهمة جداً في حسم أمور كتير في السياسة التركية ومستقبلها وخريطة القوى السياسية والاجتماعية، ومن المؤكد أن سؤال “الاقتصاد” هيلعب دور كبير في تحديد ما سيحدث، في النهاية ما نتمناش غير الخير للشعب التركي والعرب “الكتير” اللي عايشين في تركيا وكل البشر، ونأمل إن الحسابات السياسية ما تخليش أي طرف يلعب بأرزاق الناس وحياتها.
*****



مشاركة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *