– في بداية الشهر الحالي، 4 مايو، نائب رئيس لجنة المخصصات المالية بمجلس الشيوخ الأمريكي (السيناتور باتريك ليهي) قال إن اللجنة قررت تعليق 300 مليون دولار من المعونة العسكرية اللى بياخدها الجيش المصري.
– السيناتور ليهي قدم مذكرة طلب التعليق للخارجية الأمريكية، ومعاها مطالب لمصر تشمل إلغاء قانون الجمعيات الأهلية الجديد، وإلغاء الأحكام ضد المتهمين المصريين والأجانب بقضية المنظمات الحقوقية، وإن مصر تدفع كلفة علاج أمريكية اتصابت أثناء قصف بالخطأ من الطيران المصري على قافلة سياحية في 2015 اللي مات فيها السياح المكسيكيين، وكمان إجراء تحقيق محايد بخصوص مقتل الطالب اﻹيطالي جوليو ريجيني.
– مفروض الخارجية الأمريكية معاها لحد آخر سبتمبر عشان ترد على طلب مجلس الشيوخ، وإما يتم استمرار التعليق، أو يتلغي بناء على تقديم دلائل على التقدم بملف حقوق الإنسان في مصر، أو سابقا كان بيحصل انه يتقال إنه بناء على المصالح الأمريكية. (وفي الإطار ده كانت شهادة قائد القيادة المركزية قدام مجلس الشيوخ اللي اتكشفت فيها قصة اتفاقية سيزموا اللي اتكلمنا عنها، كان بيشرح لهم رؤية الجيش الأمريكي ليه التعاون العسكري مع مصر مهم جدا ولازم نواصل المعونة العسكرية)
– ودي المرة التانية اللي بيتم تعليق صرف أجزاء من المعونة الأمريكية، في أقل من 6 شهور، فى أغسطس الماضي حصل قرار مشابه بإلغاء 95 مليون دولار من المساعدات الاقتصادية، وتأجيل صرف 195 مليون دولار من المساعدات العسكرية، لنفس الأسباب.
*****

ليه موضوع حقوق الإنسان والجمعيات الأهلية ده فارق مع أمريكا كده؟
– الحقيقة إن أمريكا زي أي دولة مش هتدفع مبالغ ضخمة زي دي كهدية مجانية، أي دولة بتدور على مصالحها .. الموقف القديم لأمريكا كان إنه المهم المصالح المباشرة زي في حالة مصر المرور العسكري عبر قناة السويس، واتفاقية كامب ديفيد اللي على أساسها أصلاً بدأت المعونة.
– من بعد أحداث سبتمبر 2001 دخل عالم السياسة الأمريكية مصطلح Radicalisation، يعني ايه اللي بيخلي الإرهابيين إرهابين؟ وناقشوا مختلف الأسباب ومن ضمنها بقو شايفين ان الاستبداد السياسي وعدم وجود مسار ديمقراطي للتغيير، وكمان حالات الفقر والجهل بسبب الفشل الحكومي، دي أسباب بتخلق الإرهاب، وبالتالي من وقتها بقى فيه دايما هامش من الضغوط على الدول العربية للإصلاح.
طبعاً ده موضوع نسبي ومش ثابت وبيغير بعوامل كتير، باختلاف الدولة والمصالح التانية المطلوبة معاها فالتعامل مع مصر مش هوا نفس التعامل مع إيران مثلاً، وباختلاف الإدارات الأمريكية، وباختلاف الظروف الدولية في كل فترة، وباختلاف رؤية أمريكا لمصلحتها مع البديل لو بقى فيه ديمقراطية.
*****

المعونة دي كام بالظبط؟ بنعمل بيها إيه؟

– المعونة الأمريكية هي جزئين . الجزء الأول المعونة العسكرية اللى فضلت تقريبا ثابتة منذ 1979 بمبلغ 1.3 مليار دولار ، و 815 مليون دولار مساعدات إقتصادية ليصبح المجموع حوالي 2.1 مليار دولار.
– المساعدات الاقتصادية فضلت تقل من 1979 لحد 2015 لما صدر قرار الحكومة الأمريكية بتقليل الجزء الاقتصادي من المعونة من 250 مليون دولار ل 150 مليون دولار .
– من 2013 خدت الحكومة المصرية قرار بالابقاء على المعونة العسكرية ثابتة فى حين رفضت تلقي أجزاء من المعونة الاقتصادية لمدة سنتين لأنها كانت ملزمة بإعطاء جزء من المعونة لمنظمات المجتمع المدني، وطبعا في رفض واسع للسلطة في مصر لفكرة وجود منظمات مجتمع مدني بتراقب وبترصد أوضاع وبتقدم تقارير في ملفات حقوق الانسان بكل أشكالها خصوصاً مع تزايد معدل الانتهاكات اللي بتقوم بيه الدولة من 2013.

– في 2015 انخفضت المعونة الاقتصادية لحوالي 150 مليون دولار بس . وده خلى الحكومة الأمريكية تقرر توزيع المبالغ الباقية واللى هي حوالي 400 مليون دولار متراكمة من المعونة الاقتصادية لدول أخرى سنة 2017 منها تونس مثلا .

– قراري التعليق الأخيرين كانوا موجهين أكثر للمعونة العسكرية بغرض الضغط على الحكومة المصرية فى ملف حقوق الإنسان ، ودا بسبب تفعيل قانون ” ليهي ” واللي بينص على اقتطاع 15 % من قيم المعونة العسكرية للدول اللي قواتها الأمنية بتتورط في انتهاكات حقوق الانسان.

– بعض التحليلات ممكن تربط كمان القرار الأخير برفض مصر مطلب أمريكي اتكلمت عنه الخارجية الأمريكية في مذكرة ارسلتها للكونجرس في سبتمبر الماضي، بوجود مراقبين فى سيناء لمراقبة مدى إلتزام الضربات الجوية اللي بينفذها الجيش ضد الارهاببين بمعايير حقوق الانسان وحماية المدنيين، والسبب اللي شايفينه إن انتو بتستخدموا طائرات أمريكية والقانون عندنا بيلزمنا نكون متأكدين إنها لا تضر مدنيين.
*****

لكن ده يخلينا نطرح أسئلة مهمة عن المعونة:
– الجزء الاقتصادي فى المعونة هو قليل بالنسبة للناتج المحلي، لكن الجزء العسكري بمثل حوالي ربع الانفاق العسكري للجيش المصري سنويا، وكمان غير النسبة الكبيرة دي مالياً فهو مهم كدعم تقني لأن الأسلحة الرئيسية عندنا أمريكية فقطع غيارها وذخيرتها لازم نحصل عليها منهم باستمرار، وده اللي بيخلي الجانب المصري مصر على بقاء المعونة العسكرية وعدم إهتمامه بالمعونة الاقتصادية.
– استخدامات الجزء العسكري من المعونة هي عبر تمويل شراء أسلحة امريكية، ونقل الأسلحة، وتدريب الضباط المصريين، والمناورات المشتركة ومصاريف صيانة معدات الجيش المصري والتعاون العسكري المصري الأمريكي بكل أشكاله .
– فيما يتعلق بجزء التدريب وتبادل الضباط فى المساعدة العسكرية فهو رقمياَ قليل لم يتخطى 2 مليون دولار سنويا من أكثر من 1.3 مليار دولار، بقية المبالغ مبيستلمهاش الجيش نقدا ولكن بيتم إيداعها فى حسابات مصرفية لتمويل عملية شراء ونقل الأسلحة للجيش.
– أما موضوع نقل الأسلحة الممولة من المعونة فهي أكثر المواضيع إثارة للشكوك حول الفساد.. من 3 سنين حسين سالم عمل حوار مع المصري اليوم قال فيه إن رئيس المخابرات المصرية وقت كامب ديفيد كمال حسن علي، ووزير الدفاع المشير أبو غزالة، كلفوه بتأسيس شركة شحن بحرية باسم هوبل مان وقدم عرض أقل من الشركات الأمريكية فكسب المناقصة لعملية الشحن بتكلفة 6.5% من قيمة الشحنات! (84.5 مليون دولار سنويا لو حسبنا من الإجمالي)
– واللي حصل ان أرباح شركة حسين سالم مجهولة المصير يعني مش معروف بتروح فين بالظبط، ومع الوقت بدأ حسين سالم يزود في أسعار الشحن لحد ما تم اكتشاف عملية تلاعب و”ضرب فواتير” من الشركة وتم نشر المخالفات ده في جريدة الواشنطن بوست وبعدها قررت المحكمة الفيدرالية التحفظ على حسين سالم والتحقيق معاه، وبعد تدخلات سياسية دفع حسين سالم تسويات مالية بملايين الدولارات.
– فيه غياب لمعلومات كتير متعلقة بالمعونة العسكرية دي، وطريقة توزيع بنودها؟ ومين المستفيدين حاليا بعد قضايا حسين سالم، يعني مين بيتولي نقل السلاح؟
– كمان محدش يعرف معايير التسليح نفسه والنقاشات حولها .. مش المقصود تفاصيل فنية زي نوع الصاروخ أو الدبابة مثلا دي حاجة للمتخصصين – مع إن أمريكا هيا المصدر فهيبقى سر على مين؟ – لكن ما نقصده هو الجانب السياسي اللي يخص كل مصري، لأن مثلاً وثائق ويكلكيس نقلت أكتر من مرة خلافات بين الجانبين لأن المصريين عايزين تسليح جيش تقليدي ضخم بيتجهز لمواجهة جيوش دول، والأمريكان بيحاولو يضغطوا لتغيير ده إلى أسلحة نوعية لحرب المجموعات الإرهابية، وفي وثيقة سنة 2009 وصف مسؤول أمريكي المشير طنطاوي بإنه “العقبة الأساسية أمام تحويل مهمة الجيش المصري”.
– كل التفاصيل دي الشعب ميعرفهاش بسبب غياب الشفافية وتداول المعلومات، زي أي شيء يتعلق بالجيش وميزانيته، وحجمها ومصادرها، وكيف يتم إنفاقها وكيف يتم على سبيل المثال تمويل صفقات السلاح من موازنة وزارة الدفاع وليس الموازنة العامة كما قال الرئيس السيسي .. كل دي أسئلة محدش عنده إجابة ليها رغم ان ده حق المواطنين من جهة حكومية.
*****

– سواء كان القرار الأخير ده هيتنفذ فعلاً، ولا هيتلغي في سبتمبر، من المهم ننتبه لكام نقطة:
– أولاَ: الفرق الكبير في مؤسسية السياسية الأمريكية وإنه في أكثر من دائرة ومستوى لتداول النقاش حوالين مصلحة المواطن الأمريكي ومصالح أمريكا الاستراتيجية إقتصاديا وسياسيا وعسكرياً، محدش قال ده سر وأمن قومي.
شايفينه بيخضع للمناقشة في الكونجرس، ومجلس الشيوخ، ووزارة الدفاع والمخابرات، والصحافة، والاعلام، والمجتمع المدني، والجامعات والمراكز .. شايفين فريق عندهم ضد المعونة دي واشباهها وبيقولو شعبنا أولى ودي مصلحة لشركات السلاح بس، وفي المقابل الفريق اللي بيشرح ليه ده مفيد .. الشراكة الواسعة دي بتخلي السياسة الأمريكية متماسكة أكثر وبتقدر توصل دايماً لأفضل سياسات وقرارات تخص مصالحها بأي دولة في العالم. الانفراد بالسلطة والقرار وغياب المؤسسية خطر على مصالح أي دولة.

– ثانياَ: من المؤسف جداً انه بلد كبيرة زي مصر أي تحسن في ملف حقوق الإنسان الأساسية مرهون بضغوطات خارجية، مش بتلبية احتياجات المواطنين اللي عايزين يعيشوا في بلد بتحترم كرامتهم وحقوقهم في المحاكمات العادلة وعدم التعذيب وسيادة القانون وحرية التعبير والانتخاب النزيه وتكوين منظمات وأحزاب ونقابات حرة مستقلة.
ثالثاً: زي ما قلنا قرار التعليق ده مش نهائي، وممكن يحدث تراجع فية تحت ضغط سياسي جوة الكونجرس وخاصة في ظل علاقات جيدة بين الرئيس السيسي وترامب، وفي ظل الاتفاقات الاقليمية الجديدة اللى مصر جزء فيها مع دول الخليج أو حتى تنفيذ مصر لبعض البنود اللي جاية في القرار، لكن الأهم لينا هو امتى هيكون في نقاش جاد عن استفادة مصر من المعونة والأطراف المستفيدة منها، وهل في إمكانية لتطوير استراتيجية التعاون مع أمريكا وفقاً للاحتياجات المصرية؟ وهل المجتمع المصري ببرلمانه وأحزابه ونقابات وإعلامه من حقه المشاركة في صناعة القرار والاستراتيجية ده ولا ده حكر على اجتهادات فردية وسرية لأصحاب السلطة؟
*****




مشاركة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة