– في بداية الشهر الجاري الرئيس السيسي افتتح مدينة الدواء الجديدة “جيبتو فارما” في مدينة الخانكة بمحافظة القليوبية.
– بشكل عام أي توجه للاستثمار في الصناعة هوا خطوة إيجابية، وخصوصا لو بنتكلم عن مجال حيوي زي الأدوية.
– الكلام عن المدينة والمشروع اللي اتقال في الافتتاح من الرئيس ورئيس الوزراء والمسؤولين، هو كلام طموح جداً وواعد جداً، زي تصنيع المواد الخام والدخول في تصنيع الأدوية للأمراض المعقدة، لكن في نفس الوقت محتاجين نسأل عن نقاط غامضة في المشروع بعضها محدش لاقي إجابة واضحة له.
– إيه مضمون المشروع ده؟ ومين يملكه؟ وإيه التأثيرات المتوقعة؟ ده اللي هنتكلم عنه في البوست.
*****
إيه هو المشروع؟
– “جيبتو فارما” ودي عبارة عن مجمع مصانع دوائية، لإنتاج الأدوية واللقاحات للسوق المصري والتصدير.
– مساحة المشروع هي 180 ألف متر بطاقة إنتاجية 150 مليون عبوة سنويًا، وينقسم الى مرحلتين، المرحلة الأولى مكونة من جزئين، الجزء الأول مخصص لمصانع إنتاج الأدوية غير العقيمة أو الأمراض المزمنة ( الكبسولات والأقراص وغيرها من الأشكال الدوائية ) بـ 10 خطوط إنتاج على مساحة 33 ألف متر، أما الجزء التاني فهي المنطقة العقيمة ودي عبارة عن 5 خطوط إنتاج بالإضافة لـ 5 مباني إدارية ومخازن آمنة بمساحة 7 الاف متر.
– المرحلة الثانية تقع على مساحة 60 ألف متر، ودي مخصصة لمصانع إنتاج الأدوية العقيمة أو المتخصصة زي علاج الأورام والسرطان، واللي من أهداف المدينة دي إنه مصر يكون عندها قدرات بحثية لتصنيع النوع ده من الأدوية المعقدة اللي حاليا بنعتمد على الاستيراد فيها، ودي مرحلة طموحة جداً، وللسبب ده في حجم كبير لمباني ووحدات البحث والتطوير.
– بالإضافة كمان لطموح آخر اتقال على لسان الرئيس السيسي وأكتر من مسؤول، وهو طموح تصنيع “المواد الخام” وليس استيرادها زي ما بيحصل حالياً في السوق المحلي، ودي خطوة محتاجة وقت طويل من عمليات البحث العلمي وصولاً للتصنيع، لكن لو بدأت هيبقى شيء جيد وفي الاتجاه الصحيح.
– المدينة بتطمح إنها تكون مركز إقليمي لتصنيع الدواء بالتعاون مع شركات أجنبية، بحيث تستفيد الشركات دي من قدرات مصانع “جيبتو فارما” واللي فيها أحدث آليات وماكينات تصنيع دوائي متوفرة بالعالم.
– المدينة مخصص ليها محطة إنتاج كهرباء بطاقة 5 ميجا وات، عشان تقدر توفر الطاقة لكافة خطوط الإنتاج دي وأكتر منها في المستقبل، عشان تحقق الطموح المفترض.
*****
إيه هدف المشروع وأهميته للمصريين؟
– مشروع مدينة الدواء طموح ومهم، وجزء من الطموح ده يغذيه فكرة إنه صناعة الدواء في مصر هي صناعة قديمة، وكانت وصلت مصر لتصنيع مضادات حيوية مهمة ومتطورة، لكن زي أغلب الصناعات تأثرت بالتخلي التدريجي عن دعم وتطوير القطاع العام، بالإضافة لقلة التحديث اللي خلى الصناعة متجمدة، لكن القطاع الخاص المصري أنتج تجارب كويسة جدا أيضا.
– مصر حالياً حجم سوق الدواء فيها 80 مليار جنيه تقريباً وفيه أرقام وصلته 115 مليار جنيه، ودي أرقام مش كبيرة خالص، رغم وجود تقريبا 150 مصنع أدوية.
– داخل السوق المحلي حوالي 85%-88% من الأدوية هي صناعة محلية من شركات قطاع خاص مصرية أو أجنبية موجودة في مصر وجزء من شركات القطاع العام، بينما 15% -12% بيتم استيرادها.
– وكان فيه اجتماعات مكثفة لمجلس الوزراء مع منتجي الدواء عشان يحطوا تصور لإنتاج المواد الخام للأدوية داخل مصر، لحل أزمة استيراد 90% منها، ودا الأمر اللي بيشكل عبء على الموازنة العامة للدولة.
– وهنا بنشوف حالة غياب كبيرة للمعلومات عن المشروع الجديد “جيبتو فارما” يعني هل الغرض هو إنه الدولة تعمل مصانع جديدة وتدخل تنافس زيها زي الشركات والمصانع الموجودة؟ ولا الغرض إنها توفر بنية تحتية للشركات اللي موجودة داخل السوق أو اللي هتدخل السوق المصري في المستقبل بحيث تستخدم منشآت أحدث لأبحاثها؟ أو المشروع قايم على الفكرتين؟ كل إجابة على الأسئلة دي هتفرق في شكل المشروع.
– كل العاملين والمهتمين بسوق الدواء سمعوا من كذا سنة عن مشروع لعمل مصنع كبير لأدوية الأورام اسمه we can وإن مجلس الإدارة هيكون بعضوية وزارة الصحة ممثلة في الشركة القابضة للمستحضرات الحيوية واللقاحات “فاكسيرا”، ووزارة الإنتاج الحربي، وصندوق تحيا مصر، وشركة فاركو للأدوية. لكن المشروع والفكرة دول تجمدوا ومحدش سمع عنهم من 3 سنين.
– الحقيقة إنه المعلومات المهمة المنشورة رسمياً عن بنية مدينة الدواء زي هيكل الملكية، هي شحيحة جداً، محدش قال انها تبع وزارة الصحة أو تبع أحد شركات قطاع الأعمال.
– لكن مفيش غير بعض الإشارات وبعض التصريحات غير الواضحة ممكن نستنتج بشكل أو بآخر من نمطها مين وراء مدينة الدواء، مثلا بحسب تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة “جيبتو فارما” فالمدينة دي تتبع “أحد أذرع الدولة”، وجزء من سياساتها هتكون توفير الأدوية بأسعار مناسبة وبجودة إنتاج عالية.
– كمان الرئيس السيسي أثناء الافتتاح حرص على توجيه الشكر للواء صلاح الشاذلي، واللي اعتبره الجندي المجهول وصاحب فكرة إنشاء “مدينة الدواء”، وده مؤشر برضه على فكرة أصل المشروع ده.
– لازم نفتكر إن في يناير 2017؛ نشرت الجريدة الرسمية المصرية قرار أصدره رئيس مجلس الوزراء وقتها، شريف إسماعيل، يرخص للجيش المشاركة في تأسيس شركة للمستحضرات الدوائية.
– المشروع ده وفقاً لما هو متاح من معلومات بشكل ما “مصنع دواء كبير” له طموح تمتلكه جهة من الدولة غير معلنة في إطار رسمي اسمه “جيبتو فارما”، والشركة هتبدأ في تصنيع الأدوية زي باقي شركات الدواء، عن طريق استيراد المواد الخام في البداية ثم تصنيعها وتغليفها وتعبئتها داخل مصر وطرحها في السوق المحلي، وعندها طموحات أخرى لسه مش واضح تنفيذها هيمشي إزاي؟
*****
– أشياء مهم متابعتها في المشروع
– المشكلة إنه الوضع الجديد بتاع “جيبتو فارما” وإنها مشروع قومي، ومش واضح بالظبط مين يملكها، ولا واضح بالظبط هيا هتنتج نفس الأدوية الموجودة وتنافس فيها ولا هتركز على سد عجز الأدوية اللي مش موجودة، ده هيحط النظام الصحي أمام عدة أسئلة، أولها هي قصة “تسعير الدواء”.
– الدواء في مصر بيتسعر وفقاً لنظام اسمه “المرجعية الخارجية”، يعني تكلفة الدواء الجديد بيتم احتسابها بمعادلة استرشادية لسعر الدواء في 36 دولة خارجية، وبعدين يتم التسعير وفقاً للمتوسط بتاع الأسعار والتكاليف بتاعت التصنيع وضمان هامش ربح معين للشركة المصنعة والمنتجة، وفيه ملاحظات كتير على النظام دا أصلا.
– لكن في النهاية التسعير ده بيتم عن طريق لجان فنية متخصصة، بيتساوى فيها الشركات الأجنبية والمصرية والحكومية إنه كلها بتقدم وبتاخد “شهور” في عملية التسجيل دي عشان الدواء ينزل السوق بشكل رسمي، بعد التأكد من سلامته وفعاليته، ومفيش وسيلة للشركات إنها تغير أو تتلاعب في سعر الدواء ده بعدين، وإن كان بيكون مرهون بأسعار خارجية في النهاية.
– والمرحلة دي بيفرق فيها جداً إنه الشركة تكون بتقدم دواء جديد ملوش “مثيل” عشان تبقى في أول تصنيف الجدول وبالتالي تاخد أعلى سعر، لأنه برضه نظام التسعير بيشترط إنه التسعير للدواء الجديد لازم يقل عن الدواء الأقدم منه في نفس التصنيف.
– وللسبب ده بنلاقي شركات ومصانع الأدوية دايماً بتحاول إنها تشتغل على التسجيل المبكر لدواء “مبتكر” عشان تقدر تاخد أفضل سعر، وكمان تتجنب التسجيل أو التقديم على التصنيفات اللي فيها “زحام” عشان هتاخد سعر قليل، وكتير من الأدوية بنكتشف إنها بتنقص في السوق في مراحل معينة لأن التكلفة بتكون أعلى من سعر البيع.
– لما يكون المصنع الجديد ده تبع “ذراع للدولة” هل هيطبق عليه نفس المعايير في التسعير؟ هياخد دور زيه زي باقي المصانع؟ هينتظر شهور في عملية إتمام التسجيل والفحص وغيره؟ التجربة العملية في كتير من الصناعات زي نموذج الأسمنت مثلا بتقول إنه مبيحصلش، وبيدعمها كمان كلام من المسؤولين عن المشروع إنه الأدوية هتبدأ تنزل السوق خلال شهرين أو تلاتة ! وده شيء سريع جداً وغير معتاد.
– بالتالي مش المفروض المدينة دي تتحمل وحدها سوق الدواء، لأنه لازم يحصل تشجيع للشركات على الابتكار والتصنيع والمنافسة لأن مصر حجم السوق فيها كبير، والشركات دي هتكون عندها مشكلة إنه في مصنع وشركة بعينها، يكون من حقها تكسر قواعد المنافسة العادلة، وده هيتسبب بخساير للشركات الأخرى المحلية والأجنبية.
– وخاصة إنه فيه اضطراب في سوق الدواء من فترة، وبنشوف شركات زي “جالاكسو” الإنجليزية بتطرح حصتها للبيع في مصر وعاوزة تخرج من السوق المصري نهائياً، وخروج شركة “باوش” الكندية المالكة لشركة “آمون” وبيع الشركة دي للشركة “القابضة للاستثمارات الإماراتية” بمبلغ 740 مليون دولار أمريكي، رغم إنه “باوش” دخلت السوق من كام سنة، ومصنع آمون يعتبر واحد من أكبر المصانع، والشركة نفسها عملت مبيعات السنة اللي فاتت ب 4.1 مليار جنيه كواحدة من أهم 10 شركات في السوق. وبالتالي لو حصلت شبهات عدم تنافسية ممكن نلاقي قرارات جديدة بالخروج من السوق المصري في الفترة الجاية.
– طبعاً جزء من الكلام الترويجي للمشروع، هو إتاحة شراكات مع الشركات الأجنبية اللي موجودة داخل السوق المصري أو استقدام شركات أدوية من برة، ومش معروف الحقيقة دا هيحصل إزاي، وإذا كان في شركات أجنبية هتوافق على نمط الشراكة دا.
*****
– جزء تاني من الموضوع هيكون الصراع على “توريدات المستشفيات الحكومية”.
واللي هي تعاقدات المستشفيات التابعة لوزارة الصحة مع الشركات والمصانع لتوفير الأدوية المطلوبة، واللي هو مجال منافسة مهمة للشركات في تحقيق الأرباح إنه الدواء بتاعها يكون ضمن “دفتر الوزارة” وبالتالي بتضمن تداوله بنسبة أكبر.
– إذاً محتاجين نسأل إيه الفكرة والغرض من دخول “جيبتو فارما” السوق الدوائي وهيكون بأي شكل عملياً وبعيداً عن الكلام الإنشائي؟ لأن الأمر لازم يكون في إطار تحفيز الصناعة الدوائية أو تطويرها بالشكل المطلوب مش احتكار التوريدات الحكومية مثلا، لأن صناعة الدواء بالأساس بتقابل مشاكل داخلية كبيرة، فمش عايزين نستبدل مشكلة بمشكلة أخرى.
– ومننساش إنه في 2019 صدق الرئيس على القانون رقم 151 لسنة 2019، لإنشاء الهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية وهيئة الدواء المصرية، اللي بتتولى إجراء عمليات الشراء للمستحضرات والمستلزمات الطبية البشرية لجميع الجهات والهيئات الحكومية، يعني سهل التحكم في المسألة.
– في أسئلة لسه بتطرح نفسها لأننا برضه بنتعامل مع معلومات قليلة، لو الدولة عاوزة تدعم صناعة الدواء، وحقيقي صناعة الدواء محتاجة دعم وتقوية لشركات القطاع العام اللي موجودة بالفعل في السوق زي فاكسيرا والشركة العربية، ليه متمش ضخ الفلوس في الشركات دي اللي بتخضع في النهاية لنفس معايير المنافسة؟
– وبنشير هنا إن وزير قطاع الأعمال العام كان بيدرس تخصيص 1.7 مليار جنيه لتأهيل مصانع “القابضة للأدوية” للبدء في تأهيل خطوط الإنتاج للتوافق مع متطلبات التصنيع الجيد، ودا نهج الحقيقة المفروض يكمل.
*****
– خلاصة كل ما سبق: لو مدينة الدواء هيا استثمار من جهة حكومية أيا كانت في مساحة جديدة مفيش مستثمر مصري أو أجنبي بيستثمر فيها عشان ضخامة كلفتها أو مخاطرتها يبقى المشروع هايل، لكن لو جاية تزاحم بشكل غير عادل الشركات القائمة بالفعل واللي منها شركات حكومية كبرى يبقى احنا في مشكلة.
– كمان بجانب مدينة الدواء إحنا محتاجين سياسة دوائية وطنية شاملة، تراعي حاجات كتير منها التسعير ويكون فيه سياسات شفافة في الناحية دي، وتبعد عن شبهة استبدال “محتكر بمحتكر”، بجانب نقطة المضي قدما في تطوير الصناعة وصولاً لتصنيع “المواد الخام” زي ما هو مطروح، لأن الصناعات الدوائية أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، وبدون ما نخرج من دايرة استيراد المواد الخام والتعبئة والتغليف هنكون بنلف في نفس الدايرة.
– بجانب تطوير البحث العلمي والبنى الصناعية والتكنولوجية، المؤسسات المشرفة على الصناعات الدوائية محتاجة يكون جزء فيها من المجتمع المدني عشان يشرف على وضع السياسات والاستراتيجيات الدوائية ويكون حق المواطن في الحصول على الدواء أساسها وفي القلب منها.
– محتاجين نستغل الاتفاقيات التجارية الدولية المتعلقة بحقوق الملكية زي الاستخدام الحكومي أو الترخيص الإجباري، واللي يمكن للدولة بموجبها الحصول على رخصة لإنتاج المستحضرات الدوائية الواقعة تحت الحماية عند الحاجة إليها في حالات الأزمات الصحية زي الأوبئة، ومسألة تصنيع اللقاح شيء أساسي متأخرين فيه شوية ولازم تحرك أسرع.
– مسألة تطوير صناعة الدواء في مصر محتاجة سياسات متكاملة، ورغم الإنشاءات الكبيرة والمبهرة والحديثة اللي بتحملها “مدينة الدواء”، واللي بالتأكيد نرحب بيها، لكننا بنأكد إن رؤية المشروع وتأثيراته محتاجة المزيد من الدراسة والشفافية.
*****



مشاركة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *