– يوم 5 فبراير اللي فات وفي جنيف تم انتخاب المجلس الرئاسي الليبي واختيار رئيس جديد للوزراء، في مفاوضات برعاية الأمم المتحدة.
– الاتفاق الأخير كان نتيجة لمسار طويل من الحرب والمفاوضات بين الأطراف الليبية المنتخبة، ومن المتوقع أنه يكون بداية لنهاية الحرب الأهلية خاصة مع الاتفاق على تنظيم انتخابات عامة في نهاية السنة الحالية.
– مصر وبوصفها فاعل مهم في الملف الليبي، وكمان لأن ليبيا مهمة جدا للأمن القومي المصري، كان لها دور في المفاوضات دي، فالنهاردة هنتكلم عن الاتفاق الليبي الأخير، إيه أهم بنوده؟ وإيه دلالته بالنسبة لمصر؟ وهل الموقف المصري تغير من أزمة ليبيا في الفترة الأخيرة، ولو دا حصل، هنناقش مع بعض ليه؟ ونحاول نكون صورة متوازنة للي بيحصل.
*****
إيه الاتفاق الأخير؟
– الاتفاق كان في ملتقى الحوار السياسي في جنيف واللي كان فيه 75 مشارك منهم شخصيات قبلية وقانونية، وممثلين عن أطياف سياسية.
– التشكيل اانتهى بانه يجب اختيار 3 أشخاص ممثلين للأقاليم التاريخية في ليبيا (برقة – طرابلس – فزان) مع رئيس حكومة، واللي كانوا بيختاروا بين القوائم المختلفة الأمم المتحدة هي اللي رشحتهم وفق معايير محددة، وكانوا عدد متساوي من مجلس النواب ومجلس الدولة بالإضافة لشخصيات قبلية وسياسية ونشطاء، بحيث يكون فيه أكبر قدر من التمثيل للواقع المعقد على الأرض.
– ملتقى الحوار ده انتخب مجلس رئاسي من رئيس ونائبين ورئيس حكومة، وأسفر عن فوز القائمة الثالثة وهي مكونة من ثلاث أعضاء في المجلس الرئاسي ورئيس الحكومة وهم كالأتي:
1- محمد يونس المنفى: رئيس للمجلس الرئاسي وهو ممثل عن الشرق الليبي، وكان سفير ليبيا في اليونان قبل طرده بسبب اتفاق تقسيم الحدود البحرية بين تركيا وحكومة طرابلس. المنفي هو شخص توافقي وأقرب لحكومة طرابلس على الرغم من كونه ممثل عن الشرق، بسبب طبيعة عمله كسفير رسمي للدولة الليبية في دولة مهمة لليبيا زي اليونان.
2- عبد الله حسين اللافي: نائب رئيس المجلس الرئاسي عن الغرب، وكان عضو مجلس النواب عن مدينة الزاوية غرب ليبيا.
3- موسى الكونى: نائب رئيس المجلس الرئاسي عن الجنوب، وهو من قبيلة الطوارق في الجنوب، وكان نائب سابق في المجلس الرئاسي بحكومة الوفاق اللي كان رئيسها فايز السراج.
4- عبد الحميد دبيبة : رئيس الحكومة الجديد، وهو رجل أعمال من مصراته ويقال أنه “مقرب من الإسلاميين بشكل عام والإخوان المسلمين بشكل خاص”، لدرجة أنه مجلس النواب الليبي برئاسة عقيلة صالح في 2017 أصدر اسمه ضمن لائحة متهمة بتمويل الإرهاب، ووصفة بأنه ممول للكتائب المسلحة الموالية و التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، وفي نفس الوقت البعض بيقول إنه مهندس كان بينتمي لنظام القذاقي السابق.
– لحد اللحظة الأخيرة، مكنش متوقع إن القائمة الحالية دي هي اللي هتفوز، ولكن كانت في صدارة الترشيحات قائمة تانية مكونة من عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، وفتحي باشاغا وزير الداخلية في حكومة الوفاق، واللواء أسامة الجويلي أحد أبرز الوجوه العسكرية لقوات الوفاق في الغرب، وسياسي جنوبي اسمه عبد المجيد سيف النصر، القائمة دي بتشكيلتها كانت الأقوى وإن كانت غريبة في تركيبتها، وكان يبدو في الظاهر إن عندها دعم إقليمي، إلا إن المفاجئة حصلت ونجحت قائمة المنفي اللي كان أعضائها مش من الصفوف الأولى العسكرية والسياسية ضمن الأزمة وجايز ده بحد ذاته كان سبب انها كانت الأقرب للأغلبية.
– التشكيل ده للمجلس الرئاسي والحكومة الليبية البعض بيشوفه إنه في صالح حكومة الغرب في طرابلس بشكل ما، أو على الأقل تشكيل متصالح مع رؤى سياسية في الغرب، لكن لازم نعترف إن القوائم كانت غريبة إلى حد كبير، ونابعة من تناقضات داخل كل معسكر، ويكفي إن فيه قايمة واحدة جمعت وزير داخلية الوفاق باشاغا، وعقيلة صالح أحد أبرز رجال الشرق.
– مسار الحل دا معقد ومركب جداً لأزمة أكثر وأشد تعقيدا، ويكفي إننا نقول إن الحكومة دي أمامها لسه تحديات كبيرة اقتصادية واجتماعية في البلد، لحد ما يستكملوا المسار السياسي بانتخابات ودستور.
– ولكن التحدي الأهم ما زال عملية توحيد الجيش واللي من المتوقع أنها تكون عملية صعبة في وجود خليفة حفتر ومليشيات كتيرة في الغرب والشرق، ومرتزقة روس بالشرق، ومرتزقة سوريين في الغرب، وقوات تركية في الغرب، بمعنى ان مدى التزام الأطراف العسكرية والداعمين من الخارج بالمسار دا هو اللي هيحدد نجاحه مع عدمه.
– رغم إننا شوفنا وزير داخلية الوفاق فتحي باشاغا أعلن التزامه بدعم الحكومة، وشوفنا زيارة لأول مرة من رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي للشرق وهناك قابل حفتر اللي أعلن دعمه هو الآخر للمسار، وهنا دي إشارة إيجابية من كل الأطراف لحد الآن، الشرق والغرب والمجلس الرئاسي وحكومته.
*****
إيه الموقف المصري من الاتفاق الأخير؟
– الموقف الرسمي المصري كان إيجابي جداً في دعم ومساندة الحكومة الجديدة ضمن طيف دعم واسع أممي وإقليمي ودولي.
– ودا ظهر لما الرئيس السيسي اتكلم في مداخلته مع عمرو أديب من أيام فقط عن دعم الحكومة الجديدة، وقال حرفيا “الحكومة والمجلس اللى جاى مؤقت لغاية ما يعملوا انتخابات.. وهذه خطوة في الاتجاه الصحيح.. وإحنا داعمين لهم ومزيد من التواصل هيتم معاهم خلال الفترة المقبلة”.
– وكمان الخارجية المصرية كانت مرحبة بالاتفاق وقالت في بيان رسمي “مصر ترحب بنتائج التصويت على اختيار السلطة التنفيذية من قِبل ملتقى الحوار السياسي الليبي.. وأعرب البيان عن التطلع إلى العمل مع السلطة الليبية المؤقتة خلال الفترة القادمة، وحتى تسليم السلطة إلى الحكومة المُنتخبة بعد الانتخابات المقررة في ٢٤ ديسمبر ٢٠٢١ “.
– لكن رغم كده كان فيه تباين بين الموقف الرسمي لمصر وبين الموقف اللي بيتم الكلام عنه في بعض وسائل الإعلام التابعة للدولة أو المملوكة لأجهزة أمنية.
– بعض وسائل الإعلام كان لها رأي أخر ووصفت التصويت بأنه “مؤامرة إخوانية-تركية” بسبب نتائج التصويت اللي مكنتش في صالح حفتر وعقيلة صالح رئيس البرلمان واللي كانوا حلفاء واضحين لمصر في المرحلة السابقة.
– ووصف مصطفي بكري التصويت بأنه تصويت غير شرعي على تويتر “النتائج التي أسفرت عنها نتائج الانتخابات الوهمية وغير الشرعية لانتخاب رئيس وأعضاء المجلس الرئاسي في ليبيا أقل ما يقال إنها مؤامره ضد الشعب الليبي”.
– ومش واضح هل دي مواقف فردية، ولا ده مؤشر على تململ جهات وأجهزة داخل الدولة المصرية من الاتفاق.
– لكن في مؤشرات مهمة تانية حصلت في الملف الليبي في الفترة الأخيرة كانت مقدمة للقبول المصري بنتائج الاتفاق الأخير، زي رعاية مصر لاتفاق وقف إطلاق النار، وزيارة فايز السراج للقاهرة في نوفمبر 2020، والحوار لليبي اللي حصل في الغردقة، وكذلك الزيارة اللي حصلت لطرابلس.
– كل ده كان بيقول أنه مصر بدأت تتخلى عن الموقف المؤيد للتصعيد العسكري على طول الخط، لأنه بقى فيه إدراك إنه مستحيل فصيل بعينه أو مجموعة تحسم المعارك العسكرية بالكامل للسيطرة على البلد، بعد فشل الحملة العسكرية الأخيرة على طرابلس، وأصبحت مصر مفروض تركز على أولويات أمنها الداخلي واللي جزء منها إنهاء الحرب في ليبيا.
*****
نشوف إيه في كل ده؟
– بالطبع إحنا مع تهدئة الوضع في ليبيا، ونتمي الاتفاق السياسي ده يفرز مرحلة انتقالية يحصل فيها بناء لمؤسسات الدولة في ليبيا، ويتم نزع سلاح كل الميليشيات وتوحيد الجيش الليبي تحت إدارة واحدة، وتكون الحكومة الانتقالية والمجلس الرئاسي على قد ثقة الشعب الليبي فيها.
– نتمني أيضا خروج كل القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، ووقف التدخلات من كل القوى الإقليمية في المنطقة سواء الإمارات – روسيا – تركيا أو غيرهم.
– لازم يبقى فيه استقراء جديد لطبيعة الأزمة ومراعاة تداخل المشكلات القبلية والمناطقية وعدالة توزيع الثروة وغيره، مع قضايا الانفلات الأمني والعسكري إلخ.
– الملف الليبي هو ملف استراتيجي بالنسبة لمصر بحكم الجغرافيا والجيرة وليس أي شيء آخر، وإدارته بحكمة ضرورة لأمن مصر القومي، وضرورة أكبر لإخواتنا الليبيين، لأننا مينفعش أبدا نتراجع عن لعب دور الوساطة بين الأطراف الليبية، للوصول لدولة موحدة مسيطرة على السلاح بدون تدخلات أجنبية.
– ولازم نعرف إن أي مساحة هتتركها مصر في الملف دا، هيكون فيه قوى خارجية أخرى هتملاها سواء بخير أو بشر، لذا من الأفضل دعم المسار الأممي وخاصة العسكري منه وكبح جماح التصعيد، بما يؤدي لتوحيد الجيش الليبي، ودعم خيارات الشعب الليبي بأطرافه المختلفة عبر سبل الحوار.
– لكن اللي حصل في الملف الليبي لازم يخلينا نفكر أكتر في طبيعة التحالفات الخارجية الحالية لمصر، بعد كل التحركات في ليبيا اللي كانت بتبدو متخبطة بسبب غلبة رأي التصعيد أحياناً من قبل حلفاء زي الإمارات، رغم إن ممكن كان يكون الدولة في مصر لا ترى الأمور بهذه الصورة، وهو ما قد كان مؤخراً.
– مصر ليها مصالح واضحة في ليبيا، أي حد ممكن يشوفها زي تأمين الحدود الغربية وحماية العمال المصريين والمساهمة في عملية إعادة الإعمار لما تنتهي الحرب دي، الأولويات الثلاته دي طول السنين اللي فاتت لم ينجح حفتر في تحقيق حاجة منها إلا ملف تأمين الحدود الغربية وده حصل بتدخل مصري مباشر زي قصف الطيران اللي عمل بنشاط في الشرق لكن مصر لم تتتدخل بشكل مباشر في الهجوم المباشر ضد طرابلس.
– دلوقتي وبعد فشل حفتر في السيطرة على طرابلس وتفكك معسكر شرق ليبيا، مصر بقت أميل لدعم عقيلة صالح والبرلمان في الشرق كممثلين سياسيين، والتفاهم مع حكومة الوفاق بنفس الوقت، على عكس الإمارات اللي مستمرة في دعم حفتر بشكل مباشر، طبعا قد يكون ده مسار جديد تخطه مصر في الأزمة الليبية، وهو جيد بطبيعة الحال.
– بالتالي في الوضع الحالي يبدو أنه مصر بدأت على الطريق الصحيح، وقد يكون جزء من التهدئة دي وعدم رفض مصر للاتفاق الليبي هو الضغوط الأمريكية والأوروبية واللي عايزة تحجم الوجود الروسي التركي في ليبيا، ودا في مصلحة الليبيين عموما ومصر كمان.
– لازم الكل يدرك إن طاولة الحوار تسع الجميع، وإن الفرقاء والأعداء بيجلسوا في النهاية سوياً بس بعد ما بيكون اندفع أثمان غالية جداً من دماء الليبيين وحياتهم ومستقبلهم.
– نتمنى إنه الموقف المصري الرسمي يكمل في اتزانه الأخير، وفي النهاية كل التمنيات بالتوفيق للشعب الليبي في إنهاء حربه الأهلية المستمرة منذ سنوات، وأنه تحصل عملية تحول ديمقراطي حقيقية في ليبيا يكون لكل مواطن ليبي صوت فيها، وتكون ليبيا دولة مؤسسات قادرة على الاستفادة من مواردها الضخمة في البترول لتحقيق تنمية اقتصادية لكل ليبيا.



مشاركة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *