يوم الجمعة أعداد كبيرة من العراقيين خرجوا في مظاهرات ضخمة في بغداد وكربلاء والبصرة وغيرها من المدن العراقية، وللأسف تعرضت من جديد للرصاص الحي وحتى الآن سقط 81 شهيد!
يوم الخميس ظهر رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في خطاب يحاول بيه احتواء المتظاهرين قبل الجمعة، وأعلن قرارات واصلاحات، لكن مازال مفيش ثقة من الناس في وعوده.
كتبنا قبل كدة عن اللي بيحصل في العراق وأسبابه في بداية الاحتجاجات هنشوف النهاردة ايه أخر التطورات في المشهد العراقي، وايه اللي ممكن نشوفة في ثورة العراق؟
*****

ايه أهم الإصلاحات والوعود اللي أعلنها عبدالمهدي ؟

1- تخفيضات كبيرة في رواتب المسئولين حتى الدرجة الرابعة بنسب تصل إلى 50%، وده يشمل” الرئاسات والوزراء وأعضاء مجلس النواب والدرجات الخاصة والوكلاء والمدراء.”، وتحديد حد أقصى للأجور.
2- تأسيس “صندوق ضمان اجتماعي” يوفر لكل عراقي بدون مصدر دخل على منحة شهرية (إعانة بطالة) بقيمة 130 ألف دينار عرافي (يساوي 109 دولار)، بحيث “لا يبقى عراقي تحت خط الفقر”
3- التعهد بحصر السلاح بيد الدولة، وحل الفصائل المسلحة خارج الدولة، ومنع تدخل الميليشيات بالسياسة.
4- قيام مجلس القضاء الأعلى بتشكيل “المحكمة المركزية لمكافحة الفساد”، وكمان عمل البرلمان على إصدار قانون “من أين لك هذا”، للتحقيق بتضخم ثروة أي مسؤول.
5- عمل تعديل وزاري خلال الأسبوع القادم بعيد عن “المحاصصة الطائفية”.
– لكن عادل عبدالمهدي أكد انه لن يستقيل، وقال “استقالة الحكومة في الوقت الحالي وبدون وجود بديل معناه ترك البلاد في فوضى”
*****

ايه رد المتظاهرين؟ إيه اللي حصل يوم الجمعة؟
يوم الجمعة استمرت الاحتجاجات، وكانت بالأساس في ميدان التحرير في وسط بغداد، والناس هتفت بسقوط حكومة عبدالمهدي وكامل النظام السياسي.
زي الموجة السابقة اتفتح الرصاص الحي على الناس، وشفنا فيديوهات مرعبة، والناس بيتهموا قوات الأمن وكمان ميليشيات تابعة لأحزاب شيعية مدعومة إيرانيا، وده كان واضح جدا لما بدأت موجة حرق مقرات الأحزاب بعض مقرات ميليشا الحشد الشعبي تم اطلاق النار على المتظاهرين من داخلها بشكل مباشر.
قبل المظاهرات الأخيرة لجنة التحقيق اللي كانت شكلتها الحكومة في الأحداث قبل أسبوعين أعلنت ان حصيلة الضحايا مقتل 149 مدنيا و8 من قوات الأمن العراقية وإصابة 3458 شخصا، وإن 70% من القتلى برصاص حي في الرأس والصدر، ووجه اللوم لمسؤولي الأمن “لفقدانهم السيطرة على قواتهم”، وتم اعلان اقالة قادة عسكريين وأمنيين.
ومع كده المشهد مختلفش واتكرر تاني ووصلنا إلى 81 شهيد و3600 جريح! وده من أهم أسباب عدم ثقة العراقيين في وعود الحكومة.
*****

ايه المشكلة الحقيقة في العراق ؟

العراق بلد كبير ومعقد وبيملك إمكانات بشرية وموارد طبيعية خاصة البترول والغاز هائلة، لكن تعقيد الحالة العراقية نتيجة المحاصصة الطائفية والفساد، تقريبا زي لبنان، هي السبب الأساسي في الاحتجاجات والمشكلة الكبرى من وقت الغزو الأمريكي لحد دلوقتي.

ورغم ان حكومة عادل عبدالمهدي جاية بالأساس وعلى رأس خطابها السياسي محاربة الفساد، ورغم إقالتها لحوالي 1000 مسؤول وموظف بعد الأحداث في محاولة لتهدئة الناس، لكن الحكومة فاشلة في القضاء على الفساد لسببين:
أولا أنه الفساد في العراق متغلغل بشكل أساسي في حياة الناس اليومية، مش بس جوة الحكومة، ودا نتيجة غياب أي سياسة عامة واستراتيجية مؤسسية لمكافحة الفساد طول 16 سنة بعد سقوط صدام.

ثانيا أنه الفساد دا مرتبط بشدة بالسياسة في العراق ومرتبط بالمحاصصة الطائفية، لدرجة أن رئيس حزب الدعوة الإسلامي نوري المالكي واللي كان رئيس وزراء العراق السابق عليه قضايا فساد كثيرة جدا لكن مع ذلك الحكومة مقبتضتش عليه ولا اتحاسب بسبب رئاسته لحزب الدعوة.
الدور الخارجي بيلعب دور كبير، والعامل الأهم هيا إيران، التحالف الحاكم في العراق يشمل أربع مكونات شيعية رئيسية علاقاتها بإيران جيدة، التيار الصدري والحشد الشعبي وحزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى، وده بيخلي ايران ليها دور كبير في ترتيبات الفساد في العراق اللي بيعتبر المنفذ الرئيسي ليها لتفادي العقوبات الأمريكية عليها.

في المظاهرات ظهرت شعارات كتير عندها وعي بالمشكلة دي، زي “بغداد حرة حرة، إيران تطلع برا ” واللي كانت منها مظاهرات في مناطق شيعية معروفة زي كربلاء اللي المتظاهرين هتفوا ضد إيران قدام قنصليتها في المدينة.
المدن السنية في الوسط والشمال مفيش فيها مظاهرات، لأنها مازالت لم تتعافى من دمار الحرب مع داعش، وكمان بيخافوا يتقال انها مظاهات طائفية سنة ضد شيعة، لكن الشباب في بغداد ومدن الجنوب اللي فيها أصلا غالبية شيعية كسروا تماما الحواجز الطائفية دي.
*****

ايه اللي ممكن نشوفه في ثورة العراق ؟
– كل شوية الخطاب الإعلامي المصري بيخوفنا من مصير “سوريا والعراق”، الحقيقة ان البلدين نموذج للي بتسببه سلطة مستبدة زي الأسد وصدام حسين، وبعدها بنشوف عدم وجود بديل ديمقراطي بيخلي الاستبداد والفساد يرجع بشكل جديد وأسوأ كمان، وتاني الناس تحاول تقاومه بشكل جديد.

حالة اللا دولة في العراق، أو الشبه دولة المستمرة من 2003 لحد دلوقتي معبرة جداً عن مدى مشكلة تصور انه ممكن حد يعمل شكل مزيف للديمقراطية كإنها وجود صندوق فقط، والصندوق يتحول لتوزيع الأدوار والمنافع السياسية بناء على المحسوبيات والولاء الطائفي، الديمقراطية الصحيحة تشمل مكونات منها الانتخابات النزيهة على أساس قانون انتخابي محايد أصلا مش مكتوب لصالح فئات معينة، بحيث يخرج ممثلين عن “كل الشعب”، عشان تدير موارده وخدماته بناء على تصورات “سياسية” وبرامجية، ده غير أولوية وجود مؤسسات مستقلة، وحرية صحافة.

العراق بتدينا مثال واضح على إزاي ممكن الفساد يدمر دولة غنية، العراق واحدة من أهم الدول النفطية وأغناها لكن بتستورد الغاز والكهرباء من إيران عشان الاقتصاد الإيراني يستفيد، وده بيحصل بتواطؤ الحكومات العراقية اللي ولائها الأول لإيران.

العراق مثال واضح على نتيجة تدمير مؤسسات الدولة المحايدة اللي المفروض تحارب الفساد، بعد نهاية نظام صدام الديكتاتوري وبعد الغزو الأمريكي اتعملت مؤسسات المفروض إن دورها الرقابة والشفافية، لكن لأنها بلا صلاحيات ولا قوة على الأرض، متقدرش تفرض القانون فعلاً نتيجة النظام الطائفي والنفوذ القوي لدول محيطة بالعراق مسيطرة على أحزاب وحكومات ومكونات دينية وثقافية.
الشعب العراقي بيقدم من بداية الاحتجاجات صمود رهيب قدام آلة قتل مرعبة، ومع ذلك “ميدان التحرير” في بغداد وكتير من المدن والمحافظات العراقية مازالت منتفضة بتطالب ببلد حر بدون طائفية ولا فساد وفيه عدالة اجتماعية.

كل الحب والدعم وتمنياتنا بالتوفيق لثوار العراق ولبنان، واللي تحديداً الثورتين دول لو نجحو في إنهاء الطائفية وقيام دولة مواطنة وديمقراطية حقيقية هتفرق جداً في المنطقة دي وتنهي صراعات دموية كتير بسبب التعصب الديني والطائفي والديكتاتورية بإسم الدين والطائفة.

ونتمنى نشوف في بلدنا مصر وبكل الدول العربية انتقال ديمقراطي حقيقي وسيادة قانون ومكافحة فساد وعدالة اجتماعية، حقنا وحق كل الشعوب في المطالب البديهية دي لازم يتحقق.
*****




مشاركة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *