– في مارس اللي فات، وقت التحضير للتعديلات الدستورية، أصدر الرئيس السيسي قرار بزيادة 15% لأصحاب المعاشات، مع رفع الحد الأدني للمعاش من 750 لـ900 جنيه. كمان أصدر قرار تاني برد أموال صندوق التأمينات والمعاشات اللي هي من 2006 لـ2018، حوالي 642 مليار جنيه.

– قبل قرار زيادة الـ15% أصدر الرئيس السيسي توجيه لوزارة التضامن بسحب الطعن اللي كانت عملته الحكومة على حكم الإدارية العليا بأحقية الموظفين في إضافة علاوات الخمس سنين الأخيرة لمعاشهم، عشان ينهي مسار قضية استمرت من بعد الثورة في المحاكم.

– هنحاول نفهم في الموضوع ده رحلة أموال المعاشات، وإزاي وصلنا للوضع الحالي؟ وإيه كان المفروض يحصل من الحكومات السابقة والحالية في مصر في هذا الملف؟
*****

منين بتيجي فلوس المعاشات؟ وعبارة عن إيه صندوق المعاشات، وإيه أهميته؟
– أولاً، وببساطة، المعاش أو التأمينات الاجتماعية، هي اشتراك شهري بيدفعه العامل أو الموظف بالاشتراك مع صاحب العمل، عشان لما يحصل أي ظرف (مرض – وفاة – بطالة).

– الصندوق ده بيروحله شهرياً المفترض 40% من الأجر الأساسي لكل موظف أو عامل، صاحب العمل بيدفع 26% منهم، والموظف بيدفع 14%. عشان في آخر مدة العمل، يتحسب المعاش على أساس 80% من متوسط المرتب لآخر 5 سنين في الخدمة (لو طلع معاش طبيعي مش معاش مبكر).

– طبعا المتوسط ده بيدخل فيه حساب العلاوات، ودي كانت قضية موجودة قدام القضاء، ومحكوم فيها أكتر من حكم لأصحاب المعاشات، لكن الحكومة كانت بتطعن وبترفض تنفذ الأحكام دي، لحد ما الرئيس السيسي أمر بسحب طعن الحكومة.

– طريقة حساب المعاش بتختلف في حالة المعاش المبكر، وفي حالة الموظفين بغير أجر منتظم زي الخبازين والسواقين مثلاً او أصحاب الأعمال الحرة، أو حتى المصريين في الخارج.

– طبعا على أرض الواقع، وبعيد عن الحكومة، القوانين مبتتنفذش بالشكل الحرفي داه، فبنشوف مثلاً:
1- كتير من الشركات وأصحاب المهن مش بيأمنوا على الموظفين والعاملين معاهم بالأساس
2- أو مع حجم كبير للاقتصاد غير الرسمي، بنشوف شركات بتأمن على بعض العاملين مش كلهم، عشان متدفعش تأمينات كتير.
3- وبعضهم، بتوصل الانتهاكات اللي بيمارسها لأنه يعين موظفين بدون عقود وبدون تأمينات. أو بعد ما يجبر العامل أو الموظف على توقيع استقالته، أو استمارة 6 مع العقد، عشان ميكونش ليه حق في معاش أو تأمين مهما كانت فترة عمله.

– وهنا نيجي لثانياً، للدور المهم اللي بتلعبه صناديق سيادية ضخمة زي دي بتخدم ملايين المواطنين زي صناديق التأمينات والمعاشات، ومفروض استثمار الفلوس ديه، والحصول منها على أفضل عائد، يفيد العامل والموظف، بعد كده.
*****

إزاي العامل والموظف مش بيستفيدوا بالفلوس ديه، والحكومة اللي بتستفيد أكتر؟

– فيه 3 أمور بيقفوا قدام استفادة الموظفين والعمال من فلوسهم:

– أول مشكلة: في إدارة فلوس صندوق المعاشات والتأمينات. فلقينا مثلا إن من أهم البنوك اللي بتستثمر لهذه الصناديق، هو بنك الاستثمار القومي. البنك ده مبدئياً تابع لوزارة المالية وليس وزارة التضامن الاجتماعي. ثم الأسوء من هذا هو سعر الفايدة الهزيل اللي بيقدمه البنك، واللي كان 2% وبعدين لما العاملين في الدولة اعترضوا، اترفعت النسبة شوية، بس فضلت أقل بردو من سعر فايدة أغلب البنوك.
وفي الوقت اللي أسعار الفائدة في مصر كانت بتترواح بين 16 – 20 % كان بنك الاستثمار أو الصكوك الحكومية بتدي 9 % بس فائدة لصناديق المعاشات!

– تاني مشكلة: متعلقة بمين اللي بيدير الصندوق؟ وإذا كانت أغلب النقابات العمالية متوليها كوادر، الأمن هو اللي أشرف على اختيارهم وتصعيدهم، إزاي العمال والموظفين يأمنوا إن رؤساء النقابات دول هيكونوا خير رقيب يمثلهم على فلوس بالحجم ده؟ وإزاي نبقى متأكدين أن انحيازاتهم هتبقى للعمال والموظفين مش للسلطة اللي ساعدتهم يوصلوا لمناصبهم؟

– تالت وأهم مشكلة: أن حتى بالطريقة ديه في الإدارة، فصناديق التأمينات والمعاشات بتتعرض للسرقة.

– ميرفت التلاوي الوزيرة السابقة للتأمينات الاجتماعية، اتكلمت مثلاً قبل كده عن طلب يوسف بطرس غالي وزير المالية السابق، استثمار 200 مليار جنيه من أموال التأمينات في بنك أمريكي، وهي رفضت.
لكن لما حاولت تستثمر أموال التأمينات في الشركة المصرية للمحمول، اللي النجاح الاستثماري فيها كان شبه مضمون، تم إجبارها من رئيس الوزراء وقتها كمال الجنزوري، على بيع حصة صندوق التأمينات لصالح مستثمر “محدد”، اتضح بعد كده إنه رجل الأعمال نجيب ساويرس.
بالإضافة للاستثمار في شركة “أسمنت أسيوط” بفلوس صندوق التأمينات – وهو برضه استثمار ناجح – لكن تم إجبارها على بيع الشركة برضه، ده غير الاقتراض المستمر من الصندوق لسد عجز الموازنة والمضاربة بأموال التأمينات في البورصة.

– السرقة الأكبر كانت لما بطرس غالي في 2005 ضم أموال المعاشات والتأمينات للموازنة العامة، وبقى هو الوزير المسؤول عنها. وبقت الحكومة من وقتها بتعتمد على الفلوس ديه لتمويل عجز الموازنة العامة.
*****

كام حجم مديونية الحكومة لصندوق المعاشات حاليا؟

– المديونية دي كانت كالأتي – بحسب تقرير في موقع مدى مصر للصحفية أميمة اسماعيل -:
1- 56 مليار مديونية لبنك الاستثمار القومي ،بسعر الفائدة السوقي دلوقتي.
2- 370 مليار صكوك للصناديق لا يمكن التصرف فيها وبأسعار فائدة أقل من أسعار السوق اللي بتقترض بيها الحكومة.
3- 216 مليار مديونية غير مثبتة بدون فوائد أو عوائد استثمار ومش معروف الفلوس ده اتصرفت في إيه لحد انهردة.
الإجمالي = 642 مليار جنيه.
– وبتصريح لعمر حسن مستشار وزيرة التضامن لشؤون التأمينات في اجتماع مع لجنة القوى العاملة في البرلمان سنة 2017 إنه إجمالي أموال التأمينات الفعلي هو 684 مليار جنيه.
*****

طيب إيه المشكلة، ما الحكومة تاخد الفلوس وتديهم فوايد عليها، وأهو استثمار برضه؟

– المشكلة إن الحكومة، أو وزارة المالية تحديداً، لما ضمت فلوس التأمينات للموازنة العامة واعتمدت عليها، حاولت تقلل الإنفاق على المعاشات، فوقفت مثلا ضم العلاوات الخاصة وده أضر أصحاب المعاشات جداً. أو شوفنا لما حاول غالي التحايل على عجز وزارته في سد أموال المعاشات باقتراحه رفع سن المعاش لـ65.

– أثر ده السلبي مش بس كان على الموظفين والعمال، ده على الاقتصاد المصري كله، بسبب استسهال الزيادة الرهيبة في الدين المحلي المصري، وده سبب من أسباب الأزمة المالية والاقتصادية الحالية.

– جانب تاني مهم إنه لما الدولة يكون عندها مورد مالي بهذا الحجم ويتم اساءة ادارته كده فده اسمه فساد أو على الأقل اهدار للمال العام، لكن مفيش أي مسؤول اتحاسب عليه.

– وكمان لما الدولة تقترض من الصندوق بسعر فايدة أقل من السعر اللي بتقترض بيه من باقي البنوك هو شيء مش بس بيضر بقيمة الاستثمار اللي كان ممكن توصل لصاحب المعاش، لكن كمان بيضر بالاقتصاد.
*****

إزاي ممكن نصحح الوضع داه، ونضمن لأصحاب المعاشات والتأمينات حقوقهم؟

– بنشوف صناديق معاشات سيادية، زي الصندوق التقاعدي النرويجي، أكبر صندوق سيادي في العالم، بيحقق مكاسب مهولة باستثماره في أكتر من 9 آلاف شركة حول العالم. والمكاسب دي بتعود أرباحها على الجيل الحالي، والأجيال القادمة (كل مواطن نرويجي ليه أكثر من مليون كرونة بالصندوق).

– السؤال اللي مهم نسأله، ونتابع بيه الحكومة الأيام الجاية، هو: إزاي الحكومة هترجع فلوس صندوق المعاشات والتأمينات في ظل أزمة اقتصادية كلنا عارفين وحاسين بوجودها؟ هل هترجع فعلا بشكل منفصل ومستقل ولا هيكون مجرد “اجراءات دفترية”؟ ولو رجعت بالشكل اللي كلنا نتمناه، إزاي هنتجنب أخطاء الماضي، وهنحط خطط استثمارية جيدة للصندوق تعظم من فايدته للعمال والموظفين؟ الأسئلة ديه المفروض إجابتها تمثل خطة واضحة من الحكومة والرئيس، ويتناقش فيها أصحاب المعاشات وممثليهم.

– كل تفاصيل الاستيلاء على أموال المعاشات والتأمينات من الحكومة، لو هتقولنا حاجة أكتر من غيرها، فهتكون متعلقة بالرقابة الشعبية، المتمثلة في البرلمان والإعلام والنقابات والاتحادات العمالية. اللي لو كانوا بيقوموا بدورهم في الرقابة والشراكة مكنش كل ده حصل.
– على قد ما شايفين قرار الرئيس السيسي الأخير خطوة إيجابية تستحق الإشادة، على قد ما عايزين نوضح 3 أمور أخيرة:

1- إن مصر كانت ملتزمة أمام صندوق النقد الدولي بسد عجز صناديق التأمينات والمعاشات، يعني اللي أعلنه الرئيس السيسي كان ضمن خطة الإصلاح اللي أقرها الصندوق لمصر، واقترضت مصر قصادها 12 مليار دولار. وواضح إن توقيت الاعلان عن الخطوة قبل الاستفتاء مباشرة، وعدم ربطها بالصندوق، كان متعمد للحصول على منفعة سياسية.
2- إن ثورة يناير، والحكومات اللي تولت في ظلها، كان ليهم دور كبير، مش بس في قرار إعادة تبعة صندوق المعاشات لوزارة التضامن بدلا من وزارة المالية، لكن وزير القوى العاملة الأسبق أحمد البرعي مع وزير المالية الأسبق أحمد جلال، في 2012 مثلا، قدروا يجدولوا مديونية وزارة المالية، واتسددت فعلا 3 دفعات (كل دفعه بـ14.2 مليار جنيه).

3- إن أولوية إن الدولة والأمن يرفعوا إيديهم عن النقابات، ويعطوا فرصة لممثلي العمال والموظفين، في إنهم يمارسوا رقابة حقيقية على كل فعل ممكن يمس بحقوقهم وشراكة حقيقية في القرارات المتعلقة بيهم، وبالمقابل لازم الناس تسعى للحق ده. وده الطريق الوحيد لتوازن السلطات، اللي يخلينا متأكدين أننا في الطريق الصحيح.
*****




مشاركة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *