من أسبوع صدر قرار جمهوري بتعيين اللواء شريف سيف الدين كرئيس جديد لهيئة الرقابة الادارية، واعفاء اللواء محمد عرفان.
– القرار المفاجيء خلا ناس كتير تسأل ليه؟ مش المفروض الرقابة الإدارية كانت شغالة كويس في محاربة الفساد؟ ومش المفروض رؤساء الهيئات الرقابية المستقلة معاهم حصانة من الاقالة واللواء عرفان تم التجديد له في المنصب في أبريل 2017 يعني فترته لحد 2021؟ وهل ده تكرار للي حصل مع المستشار هشام جنينة ولا فيه فرق؟
– وكالعادة الصحافة المصرية في معظمها محاولتش تجاوب علي الأسئلة المهمة دي، ما عدا موقع مدي مصر اللي نشر تقرير حول قانونية القرار هتلاقوه في المصادر بأول كومنت.
*****

هل الرئيس خالف الدستور والقانون ؟

– المادة 216 من الدستور المصري الحالي بتنص صراحة علي عدم جواز إعفاء رؤساء الهيئات والاجهزة الرقابية المستقلة إلا في حالات محددة في القانون.
– القانون دا هو القانون رقم 89 لسنة 2015 اللي أصدره الرئيس السيسي، وبينص على انه التعيين بيتم لفترة 4 سنوات ولا يجوز الاقالة إلا بشروط معينة هي إذا “قامت بشأنه دلائل جدية على ما يمس أمن الدولة وسلامتها، أو إذا فقد الثقة والاعتبار، أو إذا أخل بواجبات وظيفته بما من شأنه الإضرار بالمصالح العليا للبلاد أو أحد الأشخاص الاعتبارية، أو إذا فقد شروط الصلاحية للمنصب الذي يشغله لغير الأسباب الصحية “.
– أيضا مفيش ما يفيد في قانون الرقابة الادارية رقم 54 لسنة 1964 أو حتي تعديلة الأخير في 2017 بأنه من حق رئيس الجمهورية إعفاء رئيس الرقابة الادارية بدون أسباب كده، وأنه الطريقة الوحيدة أنه يمشي هو أنه يكمل مدته.
– يعني بالدستور والقانون زي ما قلنا المفروض مدة اللواء محمد عرفان تنتهي في ابريل 2021!
– فيه مشكلة تانية، أنه الدستور نص علي انه تعيين رؤساء الهيئات الرقابية ييجي بعد موافقة أغلبية أعضاء البرلمان، والبرلمان حاليا فى إجازة، ومع ذلك اللواء شريف اتعين وحلف اليمين الدستورية!
– لحد دلوقتي مؤسسة الرئاسة ما أصدرتش أي بيان يوضح سبب إقالة اللواء محمد عرفان وعدم الانتظار لأخذ موافقة البرلمان والوضع فعلا عجيب ومريب.
– يعني احنا قدام مخالفتين للدستور، أولاً بسبب إعفاء اللواء عرفان قبل مدته، وثانياً وثانيا بسبب تعيين الرئيس الجديد بدون عرض الأمر علي البرلمان.
***
طيب ما الرئيس أقال المستشار هشام جنينة؟
– رغم الانتقادات الكبيرة على ان ده حصل أصلاً ، لكنه في النهاية تم بغطاء قانوني هوا انهم اعتبروا المستشار جنينة “فقد الثقة والاعتبار” بتصريحاته لجريدة اليوم السابع حول حجم الفساد في مصر اللي اتوجهله بسببها تهمة بث اخبار كاذبة واتحاكم.
– ده وضع مختلف تماما عن اللواء عرفان، لأنه من أيام بس استحدث الرئيس السيسي للراجل منصب جديد هو مستشار الرئيس للحوكمة والبنية المعلوماتية وبالتالي نفهم أنه مفيش شبهات حول اللواء عرفان مثلا من المذكورة في القانون، بدليل انه تولى منصب بجهة حساسة زي الرئاسة .. فكده مفيش أي تبرير لمخالفة الرئيس للقانون اللي أصدره بنفسه في 2015!
*****

ليه الرقابة الإدارية؟
الرقابة الإدارية هي أحد أهم الأجهزة الرقابية في الدولة بجانب الجهاز المركزي للمحاسبات، ومختص بمراقبة كل الجهات الحكومية وقطاع الأعمال العام من حيث الفساد والتربح ومن حيث الأداء، والمفروض في الجهازين هو الاستقلالية التامة عن السلطة التنفيذية عشان يعرفوا يكافحوا الفساد زي ما بتقول الحكومة. وبالتالي فكرة غياب الشفافية في تعيين رؤساء الأجهزة دي وأعضائها هي خطيرة جدا علي عملية مكافحة الفساد نفسها.
– الرقابة الإدارية مؤخراً كان ليها ظهور اعلامي لافت بقضايا فساد شغلت الرأي العام، زي وزير الزراعة الأسبق صلاح هلال، والأمين العام لمجلس الدولة المستشار وائل شلبي، ومحافظ المنوفية، وأخيراً قضية رئيس مصلحة الجمارك اللي اتقبض عليه بعد شهر من تعيينه، وكلها بالتأكيد خطوات إيجابية بحد ذاتها .. ده غير دخولها بأنشطة خارج نطاقها خالص زي المشروع القومي لاكتشاف الموهوبين رياضيا!
– البعض ربط ده بان نجل الرئيس شغال في الرقابة الادارية، خاصة ان اسم المقدم مصطفى السيسي ظهر بقضايا زي زي قضية تجارة الأعضاء البشرية الشهيرة سنة 2016 واللي كان فيها شبكة كبيرة من الأطباء، على الرغم من كون النوع ده من القضايا كانت الداخلية هيا اللي بتكشفها خاصة ان المستشفيات المتورطة هي مستشفيات خاصة مش في نطاق عمل الرقابة الادارية المختصة بالمراقبة على موظفي الحكومة.
– تفسيرات تانية بتخمن ان ده له علاقة بميل الرئيس السيسي للتعامل مع العسكريين في الرقابة الادارية اللي أغلب العاملين فيها ظباط جيش، وكل رؤسائها منذ انشائها سنة 1964 ظباط وبعضهم كانوا من المخابرات .. في المقابل الجهاز المركزي للمحاسبات فيه وجود مدني أوسع، وكلنا فاكرين المستشار جودت الملط أيام مبارك لما كان ده هو الجهاز الأبرز.
– عندنا كمان أسئلة مطروحة عن دور الصراعات المحتملة بين الأجهزة الرقابية نفسها لأنه جانب من تقرير جنينة اللي أقيل بعده عن فساد أراضي الحزام الأخضر بمدينة 6 أكتوبر ولما اتسرب التقرير ظهر ان ظباط “الجهات السيادية” اللي اخدو الاراضي كان منهم ضباط بالمخابرات العامة والرقابة الادارية نفسها، زي بيع أراضي لأعضاء بالرقابة عبر شركة 6 أكتوبر الزراعية التابعة لجهاز المخابرات العامة، واللي بحسب تقرير جنينة تسببت في إهدار حوالي 20 مليار جنيه.
– بالمناسبة إقالة هشام جنينة والقضية اللي اتعملت له لاحقا كان جزء مهم فيها هو تقرير الرقابة الإدارية اللي اتهمته بتضخيم حجم الفساد في مصر.
طيب مادامت الرقابة الإدارية كانت ناجحة كده والرئيس واثق فيها ليه أٌقال اللواء عرفان؟
– مفيش اجابة، زي ما محدش يعرف ليه تمت اقالة الفريق حجازي رئيس أركان القوات المسلحة، والفريق صدقي صبحي وزير الدفاع، اللي بالمناسبة أخد برضه منصب بالرئاسة هو “مساعد رئيس الجمهورية لشؤون الدفاع”.
دي كلها أسئلة ممكن نفكر فيها سوا في ظل نقص المعلومات الحاد.
*****

طيب الأهم من ده كله مسار محاربة الفساد في مصر عامل ازاي ؟؟
– في شهر فبراير اللي فات أصدرت منظمة الشفافية الدولية تقريرها السنوي عن الفساد في العالم، ومصر تراجعت إلى المركز 117، من بين 180 دولة بالاشتراك مع الاكوادور والجابون وتوجو وباكستان في نفس الترتيب.
– وده مؤشر بيقيس مجموعة عوامل زي (إتاحة وصول المجتمع المدني إلى المعلومات حول الشؤون العامة، قدرة الحكومات على احتواء الفساد وفرض آليات نزاهة فعالة في القطاع العام، قوانين الإفصاح المالي وتضارب المصالح للمسؤولين الحكوميين، حماية القانونية للمُبلغين والشهود والصحفيين، في حالة الإبلاغ عن وقائع فساد، وغيرها من العوامل) وبناء على ده لسه مصر عندها مشاكل كتير في البنية القانونية اللي المفروض تكافح الفساد.
– كمان مفيش تطبيق لمواد الدستور عن نشر تقارير الأجهزة الرقابية، بل إن البرلمان نفسه محدش فيه ناقش خالص محتوى تقرير المستشار جنينة سبب اقالته عشان نشوف كدب في إيه، وطبعاً محدش اتكلم عن عدم عرض تعيين رئيس الرقابة الادارية الجديدة على البرلمان.
– بالاضافة إلى صدور قوانين جديدة للصحافة والاعلام بتنهي اي دور حقيقي لوسائل الاعلام في كشف أي فساد مؤسسي، بالاضافة لقرارات المنع والحبس بحق صحفيين كتير، مع غياب أي دور للمجتمع المدني اللي بقى بيعاني هو الاخر من التضييق الأمني على نشاطاته وده كله مؤثر في سياسة مكافحة الفساد.
– الخلاصة أن أول خطوة لمكافحة الفساد بشكل شامل هوا تفعيل القانون والدستور، الحاكم هوا اللي مفروض يكون النموذج في ده ..ومحتاجين شراكة حقيقة مع الشعب عبر ممثلين منتخبين بنزاهة، إدارة الامور من الغرف المغلقة والاكتفاء بأنه الناس مش هتسأل عمرها ما كانت طريقة مفيدة على المدى الطويل.
– عملية محاربة الفساد جزء منها هو ترسيخ ثقافة الشفافية، وحق المواطنين في المعرفة والمحاسبة والمسائلة هو حق أصيل في أي مجتمع محترم.
*********




مشاركة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *