إمبارح بدأت المرحلة الأولي من انتخابات اتحاد عمال مصر، الانتخابات دي هي الأولي من 12 سنة.
– الانتخابات شهدت مهازل في التدخل والتلاعب الحكومي عشان محدش يفوز أو يعرف يترشح أصلاً إلا الادارة الحالية الثابتة من 2006، وده اللي هنشرحه في البوست ده.
*****

ليه إحنا كمواطنين مفروض نهتم بحاجة زي كده؟

-الموضوع مش بس فكرة دعم حق مواطنين زينا، ومش بس ان الاتحاد ده مليان فساد وظهرت كذا قضية بعد الثورة، لكن ان ده هوا فعلاً اللي بيدعم “عجلة الإنتاج” اللي عايزينها تشتغل.

– في احصائية لمنظمة العمل الدولية في سنة 2015 عن العمال الاكتر انتاجا فى العالم ظهر ان الدول الخمسة الاولي هي دول فيها حريات نقابية ونقابات قوية، وهي لوكسمبورج، ايرلندا، النرويج، وبلجيكا، وأمريكا .. ليه الدول المتقدمة اللي عندها نقابات واضرابات أكبر مننا بكتير انتاجها مش بيتأثر؟
لأن ده في حد ذاته من أسباب زيادة الانتاج، لما ممثلين العاملين المنتخبين بجد يفاوضوا على مطالبهم بيكونو مسؤولين برضه عن واجباتهم، مثلاً بيقولو هناخد مرتب عادل كذا لإننا اطلعنا على الميزانية وشفنا المكسب كذا، فيتقالهم موافقين بس لازم الانتاجية تكون كذا.
– الوضع عندنا من زمان جداً غير كده، الدولة عايزة النقابات اللي بتمثل ملايين العمال تكون تحتها لاستخدامها سياسيا، وده حصل بعهد كل الرؤساء.
– وعايزين كمان يبقى دايما حقوق أي فئة بالمجتمع مجرد مطالب وتوسل مش ضغوط وتفاوض .. بيحبوا مشهد الراجل اللي كان بيطلع يقول لمبارك “المنحة يا ريس”.
لكن إن النقابة تفاوض الحكومة مثلا على رفع الحد الأدنى للأجور بسبب الغلاء اللي حصل، أو تتخانق مع مستثمر أجنبي عايز يفصل عمال مصنع، أو تدافع عن عامل اتقبض عليه بسبب انه رئيس لجنة نقابية.. كل ده مش وارد.
– كمان لازم ناخد بالنا ان النقابات دي تشمل كل مجالات البلد بلا استثناء، امبارح مثلا كان ضمن القطاعات العاملين بالنقل البري والسكة الحديد، والسياحة والفنادق، والإنتاج الحربى، والبترول، والضرائب..الخ، فأكيد كل مواطن هيفرق معاه أوضاعهم وآليات تحديد حقوقهم وواجباتهم.
– بسبب أوضاع الاتحاد الرسمي دي بدأت تظهر “النقابات المستقلة”، يعني عاملين يتجمعوا وينتخبو واحد يمثلهم بره الاتحاد، وده كان غير قانوني لحد الثورة لإن القانون في مصر بعكس أغلب دول العالم بينص على وجود نقابة واحدة فقط، لكن بعدها أخدوا اعتراف قانوني، لحد ما من فترة بدأت محاولة الغاء ده بتغييرات قانونية، وفي نفس الوقت الاتحاد الرسمي دعاهم للانضمام ليه وعملو اجتماعات .. طيب ماهو لو عايزهم ينضموا لازم تكون الانتخابات نزيهة ولا يبقى نفس المشكلة الأصلية موجودة!
*****

إيه اللي حصل بالضبط فى الانتخابات ؟

– بشكل مفضوح من أول لحظة بدأ التلاعب بالمواعيد .. مثلاً فتح باب الترشح كان يوم 16 الأربع مايو، والباب اتقفل تاني يوم 17 مايو، اعلان الكشوف كان يوم الجمعة 18 مايو، واستقبال الطعون والبت فيها خد يوم واحد وبحلول يوم الاثنين 21 مايو كان خلاص تم إعلان الكشوف النهائية .
– طبعا ضيق المدة الزمنية لكل إجراءات الترشح دي خلي كتير من الناس يتم رفضها لعدم استيفاء الأوراق، بالمناسبة المرشح فى الانتخابات دي كان لازم له أكثر من 13 مستند يحضرهم عشان يتم قبول اوراقة، وهنا بيظهر استخدام البيروقراطية المصرية كطريقة تعمل شكل قانوني للتلاعب.
– تلاقي مثلا أنه من ضمن الأوراق المطلوبة هي شهادة الخدمة العسكرية ودي طلب غير عادي لعامل المفترض أنه شغال في شركة فطبيعي أنه لا يطلب منه شهادة الخدمة العسكرية، ومن الطبيعي أنه يتم فقط طلب بياناته من جهة العمل .
– كمان تم منع الكثيرين لأسباب أمنية، فمثلا فى حالة نقابة العاملين بإدراة شرق المنصورة التعليمية تم الاتصال بالأستاذ أحمد عبدالله من قبل ضابط من الأمن الوطني وطلب منه الانضمام للاتحاد الرسمي للدولة وإلا فسوف يتم منعة .
– كمان طارق كعيب رئيس النقابة العامة للعاملين بالضرائب العقارية، وهي أول نقابة مستقلة فى مصر قال انه تم رفض الكثيرين من المرشحين التابعين للنقابة، ولم يتم قبول أوراقهم سوي فى 14 لجنة فقط علي مستوي الجمهورية .
– كمان عندنا حالة النقابي كرم عبدالحليم واللى حاول يترشح فى السويس عن اللجنة النقابية للعاملين بأندية قناة السويس، وتم رفض ترشحة لأسباب أمنية، والقوي العاملة قالت أنهم رفضوة عشان الورق مش عليه ختم النسر، رغم أنه الهيئة اللي بيشتغل فيها هي قطاع خاص و لا تمتلك ختم النسر من الأساس !

– مجموع الطعون اللي تقدم بيها المرشحين حوالي 1554 طعن حتي الأحد الماضي، ومش عارفين مصير الطعون دي حتي الآن، والوزير محمد سعفان كان صرح أنه بسبب زيادة عدد المرشحين ففي ضغط شغل علي موظفين الوزارة !
– القانون الجديد واللي صدر في ديسمبر 2017 قفل طريق الطعن المستعجل قدام مجلس الدولة وقال انه الطعون فقط تقدم للمحاكم العمالية اللى لسة لم يتم تشكيلها .
– كمان القانون الجديد أدى النقابات المستقلة فرصة 60 يوم فقط لتوفيق أوضاعها فيما يتعلق بالحد الأدني من الأعضاء فيها، ودي طبعا مهلة قليلة، ودا يخلينا نبص على القانون الجديد .
*****

إيه مشكلة قانون التنظيمات النقابية الجديد ؟
– زي ما قولنا القانون صدر فى ديسمبر 2017 بعد تأخر أكثر من خمس سنين، والمشكلة الأساسية أنه مفيهوش جديد هو جاء فقط لسد ثغرات فى القانون القديم، وتم إصدارة عشان ترفع منظمة العمل الدولية إسم مصر من القائمة السوداء عندها، ودا طبعا حتي محصلش . لأن المنظمة أبدت اعتراضها على بنود كتير في القانون .
– مثلا القانون بيحط عراقيل كبيرة جدا أمام النقابات المستقلة، مثلا بينص على أنه الحد الآدني لتشكيل لجنة نقابية هو 150 عامل، في حين أن توصية منظمة العمل 20 عامل فقط، كمان بيقول أنه النقابات العامة مينفعش يكون أعضائها أقل من 20 ألف عامل ودا شيء مستحيل فى حالة زي مصر، وبالذات فى النقابات المستقلة لأن العضوية فيها مش إجبارية زي النقابات العامة التابعة للدولة .

– بحسب أحمد البرعي وزير القوي العاملة السابق ف 70 % من العمال فى مصر بيشتغلوا في أماكن عدد العمال فيها لا يتجاوز 100 عامل، وبالتالي حسب القانون الجديد أغلب عمال مصر مش هيلاقو من يمثلهم أصلا ومش هيعرفوا يكونوا لجانهم النقابية!

– كمان القانون زود العقوبات على موضوع انشاء النقابات المستقلة فأصبح أنك تؤسس نقابة أو لجنة نقابية بما يقل عن العدد ده يعرضك للسجن مدة لا تقل عن ثلاث سنوات .

– كل دا بالتأكيد هينهي تجربة النقابات المستقلة فى مصر، والوزير نفسه كان صرح فى حوار قبل كدا للمصري اليوم أنه ” تجربة النقابات المستقلة ماضي وانتهي. ”

*****
من امتى وعندنا نقابات عمالية؟ هل دي حاجة جديدة علينا؟

– تاريخياً مصر من أقدم البلاد اللي فيها حركة نقابية، بدأت سنة 1900 مع جمعية “لفافي السجاير” بعد ما عمال لف السجاير على مستوى مصر عملوا اضراب شامل لرفع أجورهم.
ومن التجربة ده خرجت جمعية اتحاد الخياطين بالقاهرة وجمعية عمال المطابع، وخاضوا مواجهات مع الاقطاعيين (كبار الأغنياء حلفاء الملك والانجليز)، وطبعا كان فيه مواجهة مباشرة مشهورة مع الانجليز لما العمال اضربوا عن العمل بمنطقة قناة السويس.
– بعد يوليو 1952 للأسف “الضباط الأحرار” كانوا ضد حرية التنظيم من بدري جداً، وأشهرها واقعة اعدام خميس والبقري اتنين من عمال كفر الدوار شاركوا بمظاهرات وإضراب، غير عشرات الأحكام القاسية.
نظام عبدالناصر فرض مبدأ “التنظيم النقابي الواحد” واتحاد العمال الواحد ده كان شرط دخوله عضوية هيئة التحرير أو الاتحاد الاشتراكي فيما بعد، عشان ميكونش فيه أي هامش لحركة مستقلة.
– واستمر الحال مع السادات مع مواجهة أقوى مع النقابات المهنية بسبب كامب ديفيد، وصولاً لتضييق أكبر في عهد مبارك بالقانون 100 اللي بيجرم المؤتمرات والأنشطة النقابية، واتفرضت الحراسة سنوات طويلة على نقابات المحامين والمهندسين.
ورغم وجود حركة عمالية ونقابية مستقلة كانت بتحاول تفرض وجودها من الألفينات لحد ثورة يناير، لكن السلطة كانت بتدعم وتتعامل مع اتحاد العمال الرسمي الموالي لها فقط.

***

– بشكل عام الدولة في مصر دايما بتعادي “حق التنظيم” يعني ان المواطنين ميبقوش أفراد لكن يحاولو يتجمعوا في حاجة تمثلهم ويتحركوا مع بعض بيها، الحاجة دي بقى تكون حزب أو نقابة أو لجنة أو أي حاجة .. إما يحاولو متبقاش الجهة المنظمة موجودة، أو يتدخلوا للسيطرة عليها زي ما شفنا بنقابة الصحفيين او المهندسين، وبانتخابات البرلمان، وتأجيل انتخابات المحليات اللي متعملتش من 10 سنين .. الدولة تظن ان ده الأفضل سياسياً عشان يتجنبوا ان الناس جماعياً تعارض أو تستخدم أدوات ضغط لتحسين أحوالهم المعيشية والمهنية.
لكن في المقابل مصر كلها بتخسر كتير، والنظام الحاكم نفسه بيخسر لأنه أي دولة في الدنيا بتحتاج في اوقات تلاقي حد ممثل لقاعدة حقيقة تقدر تفاوضه وتصل لحلول وسط تتنفذ على الكل.
– ده أحياناً بيبقى معوق للمستثمرين نفسهم وبعضهم بيستغرب من عدم وجود نقابات بتمثل العمال فعلاً عشان يقدروا يتفاوضوا معاهم، و وزير القوى العاملة السابق د أحمد البرعي ذكر نماذج للمشكلة ده مع المستثمرين أكثر من مرة ممكن ننتكلم عنها لاحقاً.
– بنتمنى كل المصريين يركزو في أهمية “حق التنظيم”، وفي انهم يعملو ده بنفسهم في أي مكان، من أول انتخابات مركز شباب القرية جنب بيتك ولحد أعلى مستوى، دايما لازم نحاول نشارك ونحاول نجمع نفسنا، ومع الوقت وخطوة بخطوة أكيد هنقدر نعمل فرق.

****




مشاركة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *