النهاردة اتنشر في الجريدة الرسمية القرار الجمهوري بقانون تنظيم الجمعيات الأهلية الجديد.. القانون كان اتجمد عند الرئيس من حوالي 6 أشهر بعد موافقة البرلمان، وناس كتير كانوا متعشمين ان ده معناه ان الرئيس هيرجعه البرلمان للتعديل، خاصة ان الحكومة نفسها ممثلة في وزارة التضامن رافضة هذه الصيغة وقدمت مشروع أفضل!
في بوست سابق شرحنا بشكل تفصيلي الأهمية البالغة للجمعيات الأهلية، وإن دي قضية تمس كل مصري مش مسألة سياسية تخص كام جمعية حقوقية: http://bit.ly/2f0uNIz
والنهاردة نعيد نشر البوست اللي نشرناه وقت موافقة البرلمان، عشان كلنا نفهم الكارثة الحقيقية اللي هتحصل للعمل الأهلي في مصر.
ياريت واحنا بنقرا كل الكلام الجاي منفكرش بس في منظمة حقوقية بتدافع عن مواطن اتعرض للتعذيب مثلا، مع ان ده حق ضروري جداً طبعاً .. لكن نفكر مثلاً في جمعية تعليمية بتتلقى تبرعات لتعليم الأطفال، أو جمعية غرضها صحي زي أصدقاء مستشفى أبوالريش مثلا، واللي وارد تلاقي جمعية خيرية طبية أجنبية من سويسرا مثلا عايزة تتعاون معاها، أو مواطن عادي في قرية بآخر الصعيد جمع كام واحد يعرفهم من وبيعملوا جمعية لمساعدة أهل البلد.
*****
إيه الجديد في القانون؟
القانون الحالي بيكتفي بالغرامة في حالة المخالفات الإدارية، لكن لأول مرة القانون الجديد ده بيفرض عقوبات بالحبس كإنه قانون جنائي لجرايم خطيرة! (وده رغم ان عبدالهادي القصبي عضو البرلمان اللي قدمه قال انه لا يحتوي على عقوبات سالبة للحريات)
– مثلاً القانون بيحدد عقوبة الحبس مدة لا تزيد عن سنة وغرامة تصل إلى نصف مليون جنيه في جريمة “نقل مقر الجمعية إلى مكان بخلاف المُخطر به”!!
– الحبس بين سنة وخمس سنوات، وغرامة بين ٥٠ ألف ومليون جنيه على “معاونة أو مشاركة أي منظمات أجنبية لممارسة نشاط أهلي في مصر، من غير الحصول على تصريح”.
– عقوبة الحبس بين سنة وخمس سنوات، وغرامة ٥٠ ألف ومليون جنيه على “إجراء أو المشاركة في إجراء بحوث ميدانية أو استطلاعات رأي بدون موافقة مسبقة”!
– الحبس مدة لا تزيد عن سنة وغرامة تصل إلى نصف مليون جنيه لمن “منح ترخيصًا لمزاولة نشاط مما يدخل فى أغراض الجمعيات والمؤسسات بخلاف الجهة الادارية المختصة”.
يعني الحبس لموظفي الدولة كمان!! . لو مسئول بوزارة الاستثمار مثلاً ادي تصريح لشركة، والشركة دي عملت أنشطة تخص المجتمع المدني، يبقى الموظف ده كمان يتحبس!
*****
غير الحبس القانون بيحط قيود كتير جداً:
– “فى جميع الاحوال لا يجوز قبول أموال نقدية تزيد قيمتها على عشرة آلاف جنيه إلا بموجب شيك بنكى.”!!
أي حد شغال بأي جمعية فاهم مدى جنون الشرط ده .. تخيلوا مثلاً صاحب أرض باع المحصول وعايز يتبرع بـ 15 ألف لجمعية في قريته، يتقاله لا يا حاج روح افتح حساب وهات دفتر شيكات.
– في حالة جمع التبرعات من داخل مصر “يشترط إخطار الجهة الإدارية عند التلقي، أو جمع التبرعات بثلاثين يوم عمل، وصدور الموافقة، وتلتزم الجهة الإدارية بإخطار الجهاز، ولا يجوز الصرف من تلك الأموال إلا بعد صدور هذه الموافقة”، وبالنسبة للمحافظات الحدودية فيضاف للموافقات دي موافقة المحافظ .. تخيلو كل التعقيد والتأخير ده لجمعية بتنقذ حياة الناس في كارثة عاجلة زي السيول مثلاً!
– لتسجيل أي جمعية لازم تدفع للوزارة “رسم لا يجاوز مقداره عشرة آلاف جنيه تؤول حصيلته إلى صندوق دعم الجمعيات والمؤسسات الأهلية.”، وكمان تخصيص “مال يتناسب وتحقيق الغرض من إنشائها بما لا تقل قيمته عن عشرة آلاف جنيه عند التأسيس” .. تخليوا جمعية صغيرة جداً بتجيب بطاطين لأهالي حي ليه يتم الزامهم بكل الفلوس دي؟
– فتح الجمعية لمقرات جديدة في أي من محافظات الجمهورية يستلزم موافقة كتابية مسبقة من الوزير المختص.
– تلقي التبرعات أو التمويل من خارج مصر، محتاج برضه موافقة من “الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات اﻷجنبية غير الحكومية” ولو المجلس ما ردش خلال 60 يوم يعتبر الطلب مرفوض، ودي سابقة عجيبة جدا إن الأصل هوا الرفض مش الموافقة، زي ما في كل قوانين مصر والعالم انك لو لم تتلقى رد يبقى موافقة!!

***

– هنا وصلنا لأحد أغرب تفاصيل القانون، إيه هوا الجهاز القومي الجديد ده المسيطر على التبرعات الخارجية، وليه حق الرفض للداخلية كمان؟
ده كيان هينشأ لأول مرة ويسحب اختصاصات وزارة التضامن الاجتماعي، والجهاز ده يتكون من ممثلين عن “وزارات الخارجية، والدفاع، والعدل، والداخلية، والتعاون الدولي، وممثل للوزارات المختصة، وممثل للمخابرات العامة، وممثل للبنك المركزي، وممثل لوحدة غسيل اﻷموال، وممثل لهيئة الرقابة اﻹدارية.”. مفيش ولا ممثل واحد من الجمعيات الأهلية نفسها.
زي ما أ.محمد زارع من مركز القاهرة لحقوق اﻹنسان قال في تصريحاته لمدى مصر: إذا كان ده تشكيل الجهاز المختص بنظر طلبات الحصول على تمويل أجنبي، فإيه شكل الجهاز المختص بإعلان حالة الحرب؟
– اجراء استطلاعات رأي أو أبحاث ميدانية أو إتاحة نتائجها لازم كمان يتعرض على الجهاز القومي “للتأكد من سلامتها وحياديتها” .. طيب افرض عملت استطلاع رأي بعد الحصول على موافقة الجهاز، وبعدها نتيجته معجبتش الجهاز برضه لأنه مش طرف محايد بل تابع للحكومة اللي ممكن تكون موضوع الاستطلاع؟!
التصعيب الرهيب في إجراء استطلاعات رأي أو نشرها، يشير إلى أن اللي عملوا القانون ما يعرفوش أي حاجة إطلاقا عن العمل التنموي المعتمد على استطلاع رأي المواطنين عشان يقدر يحدد احتياجاتهم، ويقيم جودة الخدمات اللي اتقدمت ليهم.
– يجب الحصول على موافقة الجهاز برضه قبل الاستعانة بأي أجنبي، سواء كان خبير أو عامل مؤقت أو حتى متطوع، وقبل حضور أي دورات خارج مصر.
*****
هل إحنا محتاجين فعلاً قانون أكثر تشدداً لرقابة الجمعيات؟
– إحنا حالياً شغالين بالقانون رقم ٨٤ لسنة ٢٠٠٢، وده رغم وجود اعتراضات عليه لكن الاوضاع بيه كانت مستقرة نسبيا .. ومهم جدا جدا نؤكد ان بالقانون ده كل مليم تمويل اجنبي بيروح لجمعية يخضع لرقابة حكومية كاملة، من أول البنك المركزي ووزارة التضامن الاجتماعي، وحتى الجهاز المركزي للمحاسبات ومصلحة الضرائب .. حتى في قضية “التمويل الأجنبي” اللي شغالة حالياً التهم مش منها تمويل (غير قانوني) لكن بتتكلم عن تهم تانية شرحناها في البوست السابق.
– يعني فعلا مفيش حاجة لقانون جديد بغرض التنظيم والرقابة، ده قائم بالفعل، لكن بنتكلم عن قانون غرضه أصلاً المنع لكل مالا تريده الحكومة، وبالمرة التضييق احتياطي على أي حد، كإن فيه استهداف أصلاً ان الجمعيات الصغيرة تقفل واللي عايز يفتح جديد يتعسف، والعدد يقل بشكل عام.
*****
طريقة إقرار القانون بتوضح فلسفته وأهداف القائمين عليه:
– في شهر سبتمبر الحكومة أقرت مشروع قانون، وبعتته لمجلس الدولة يراجعه تمهيدًا لإرساله للبرلمان .. لكن فجأة عضو ائتلاف دعم مصر عبدالهادي القصبي تقدم بنص مقترح للقانون مختلف عن قانون الحكومة الجاهز بالفعل، وجمع توقيعات 204 من النواب ورفعه لرئيس المجلس، اللي بدوره طرحه فوراً للتصويت أمام الجلسة العامة .. تقديم القانون والموافقة عليه استغرق ٤٨ ساعة بس!!
– النائب عبدالهادي القصبي رفض طلب وزير الشئون النيابية مجدي العاجاتي بانتظار قانون الحكومة، وقاله “نتمسك بحق المجلس في التشريع”، وبرضه رئيس البرلمان تضامن معاه وقال أن “المجلس تم تشكيله على أساس ديمقراطي، وإنه عصي على الضغوط والابتزاز”.
– جملة “اعتبارات الأمن القومي” كانت حاضرة طول نقاشات الجلسة وكلام الأعضاء فيها.
رئيس البرلمان علي عبدالعال قال إنه شخصيًا قام بمراجعة القانون، واتكلم شوية عن حروب الجيل الرابع اللي ماعادتش من خلال الاشتباكات المباشرة، بل إن الجمعيات الأهلية واحدة من وسائل هذه الحروب!!
– علي عبدالعال اتكلم برضو عن القوانين الدولية، وقال إن أكتر من مرة ان القانون متوافق مع “العقد المدني للحقوق المدنية والسياسية”، وتقريبًا عبدالعال اللي هو أستاذ قانون في جامعة عين شمس، ماخدش باله إنه مفيش شيء اسمها كده، بل اسمه “العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.” .. واللي أصدر القانون ده اكيد مبصش فيه .. علماً بأن الدستور بيفرض على المشرع إن ياخذ في اعتباره القوانين والمواثيق الدولية، وبيدي المعايير الدولية اللي توقع عليها مصر قوة القانون الداخلي.
والدستور بينص على حرية العمل الأهلي، لكن واضح ان فلسفة التشريع الحالية هي الالتفاف على الحقوق الدستورية بالتعقيدات القانونية.
– رغم ان مشروع القانون الحكومي سيء برضه لكنه كان أرحم بوضوح، مثلاً مفيش الجهاز القومي ده بل “لجنة تنسيقية” لتنظيم التمويل، ومثلاً كان بيعتبر عدم الرد خلال 60 يوم موافقة مش رفض! .. لكن فيه جهة اتحركت بسرعة عشان تكون ملكية أكتر من الملك!
– لجنة التضامن في البرلمان عقدت اجتماعات اعتبرتها هيا الحوار المجتمعي عن القانون .. عبدالهادي القصبي قال “استضفناهم هنا أربع ساعات مناقشة حول كافة الموضوعات” .. هل هما دول بس ممثلي المجتمع المدني ولا دول الحبايب؟ ونقاش مجتمعي ايه ده اللي في 4 ساعات؟ وليه جلسات اسمها “نقاش مجتمعي” تكون سرية أصلًا ومحدش يعرف عنها غير بعد ما تخلص؟!
– 25 نائب صوتوا بالرفض منهم كتلة (٢٥ – ٣٠) .. 6 أحزاب سياسية و 22 منظمة مجتمع مدني أصدروا بيان مشترك يرفض القانون .. محدش اهتم بمجرد النقاش مع المعارضين أو حتى تمثيل انهم بيسمعوا وجهة نظرهم.
– أخيرًا: البرلمان اللي اتكرر أكتر من مرة تأخيره لقوانين بسبب انتظاره مشروع القانون من الحكومة، وده كان سبب التأخير الشديد بقانون بناء الكنائس مثلاً بدور الانعقاد الأول، هو نفسه اللي المرادي رافض قانون الحكومة، ومستعجل جداً على قانون مختلف من عنده؟!
يبدو أن النظام رافض حتى الحد الأدنى الشكلي اللي حاولت تحافظ عليه الوزيرة غادة والي، مع انه كان قانون متشدد جداً برضه، وكمان الدولة قررت تمرر المشروع الأكثر تشددًا من خلال “النواب المنتخبين”، عشان تقول للمجتمع الدولي إن القانون جه من خلال ممثلي الشعب، ومش من عند السلطة التنفيذية، خاصة ان المسألة دي بالذات محل انتقاد دولي دائم.
وبصراحة شديدة الكلام عن مجلس النواب في حد ذاته مينفعش بدون الكلام عن الأجهزة الأمنية اللي بصماتها واضحة جدا ورا الكتلة الأكبر بمجلس النواب، وهي ائتلاف دعم الدولة اللي قدم القانون ده ..
*****
زي ما قلنا قبل كده الدولة الجادة هي اللي تستفيد من الجهد اللي ممكن تقدمه هذه المنظمات وتضع الأُطر القانونية والإدارية العادلة .. الدولة محتاجة اعادة النظر في علاقتها بالمجتمع المدني، خصوصا في ظل ظروف اقتصادية صعبة وزيادة سكنية متسارعة.
الحلول الأمنية دائما سهلة ولكنها لها تكلفتها، واللي منها فعلاً الاساءة لسمعة مصر، بالاضافة الي فقدنا مزايا وجهود كثيرة اقتصادية واجتماعية.
*****




مشاركة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *