– قبل أيام تم الإعلان رسميا عن إن المسؤولين الأتراك ألزموا قنوات (الشرق، وطن، مكملين) اللي بتبث من إسطنبول بمراجعة محتواها، ووزير الإعلام المصري أسامة هيكل رحب رسميا ووصفها بأنها “بادرة طيبة لخلق مناخ ملائم لبحث الملفات محل الخلافات بين الدولتين”.
– اللي حصل كان نتيجة اللي حصل بالشهور الأخيرة من اتصالات السرية وتصريحات العلنية عن تقارب وتفاهمات بين مصر وتركيا.
– إيه اللي بيحصل بالظبط؟ وليه التهدئة دي بتحصل دلوقتي؟ ونتايج المصالحة المتوقعة إيه لو تمت؟ ده اللي هنتكلم عنه في البوست الحالي.
*****
إيه اللي بيحصل بين تركيا ومصر؟
– في بداية شهر مارس الحالي بدأت تخرج تصريحات تركية معلنة وإيجابية تجاه مصر، مرة عن طريق المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، ومرة على لسان وزير الدفاع التركي، ومرة على لسان أردوغان نفسه، ووزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، وكله بيتكلم عن إمكانية التفاهم في مع مصر في ملفات مختلفة حسب التصريحات دي.
– قبل التصريحات المتطورة دي بشهور كان فيه إشارات لوجود اتصالات فعلاً وتفاهمات بين مصر وتركيا على مستويات أمنية واستخباراتية، لتهدئة الأوضاع وتسويتها في ليبيا في ظل اختيار الحكومة الجديدة.
– في مقابل الترحيب التركي العلني المتكرر مصر رسميا كانت تلتزم الصمت، أو تطالب تركيا بتقديم أفعال واضحة، زي ما قال وزير الخارجية سامح شكري إنه “هناك اتصالات دبلوماسية مع تركيا، ولكن الأقوال وحدها لا تكفي لاستعادة كامل العلاقات بين البلدين”.
– قررت تركيا يوم 18 مارس إبلاغ قنوات تيار الإخوان بتغيير خطابهم تجاه النظام المصري، وحسب اللي أعلنوه رسميا تمت مطالبة الإعلاميين بالالتزام بمواثيق الشرف الإعلامية.
– بعض إعلاميين إسطنبول نشروا على تويتر تفاصيل أكتر، زي إن الأتراك طلبوا بشكل محدد عدم التعرض لمواضيع بعينها زي أفراد أسرة الرئيس السيسي، أو حرب الجيش على الإرهاب في سيناء، وان قنوات إسطنبول معاها 3 شهور فترة تجربة، لكن مفيش تأكيد رسمي على المعلومات دي.
– قبل التوقيت ده وتحديداً يوم 15 مارس حسب موقع المنصة تم إرسال تعليمات للإعلام المصري عبر جروب “واتساب” من المخابرات العامة بتأمر بالتوقف عن تناول الشأن التركي، ومنع الحديث بالسلب أو الإيجاب عن الرئيس التركي أردوغان والمعارضة التركية، ومنع أي أخبار عن الأزمة الاقتصادية التركية.
– وبالفعل كل الإعلام التزم، والإعلامي الوحيد اللي كان خارج سياق التعليمات ده هو “عمرو أديب” لأنه الوحيد اللي بيعمل لقناة سعودية، وبالتالي التعليمات الأمنية أو المخابراتية بالنسباله بتكون في حدود معينة وبتفاهم بين السعودية ومصر.
*****
ليه التفاهمات دي بتحصل دلوقتي؟
– بشكل واضح المصالح والنزاعات المشتركة بين مصر وتركيا هي في ملفين رئيسيين، الملف الأول والأكثر أهمية هو ملف غاز المتوسط، والملف الثاني الأقل أهمية هو ملف ليبيا، طبعاً في ملفات تانية مهمة زي المعارضة المصرية في تركيا والاعتراف الرسمي بالنظام المصري في تركيا، لكن في تقديرنا كل دي هوامش وأوراق وكروت تفاوض على الملفين الأبرز.
– في الملف الليبي دخلت تركيا ساحة الصراع زي ما اتكلمنا أكتر من مرة، بغرض التواجد في محاولات ترسيم الحدود البحرية والتنقيب عن الغاز، وعملت ده باتفاق ترسيم حدود بحرية مع حكومة السراج الليبية، وبعدها بدأت تركيا تمول حكومة السراج وتزودها بالسلاح والمقاتلين عشان تخلق لنفسها نفوذ في صراع الغاز من البوابة الليبية، ومن ناحية تانية تخلق صداع عسكري وأمني لمصر عن طريق الحرب على حليفها “خليفة حفتر” اللي مسيطر على الشرق.
– قبل الخطوة دي بسنوات كانت مصر بدأت في تحالف اقتصادي وأمني مع اليونان وقبرص وإسرائيل، للتعاون في ملف غاز شرق المتوسط ما بينهم وتجاهل تركيا، واتخلق ما بين الدول دي مؤسسة اسمها “منتدى غاز شرق المتوسط”، وانبثق منه مشاريع ومفاوضات جارية إن تكون مصر هي مركز إسالة للغاز وتصديره لأوروبا، بالتعاون مع إسرائيل وقبرص واليونان، ولسه مش واضحة ملامح المشروعات دي لحد دلوقتي، وفيه كلام كتير عن خلافات داخلية على الحصص والتنفيذ.
– كمان مصر نشرت خريطة مناقصة بتشير إلى أن المناطق الغربية في المتوسط تم تحديدها بموجب الاتفاق المبرم بين القاهرة وأثينا، أما المساحات الأخرى الواقعة شرق خط الطول 28 فاتحددت بموجب الحدود الجنوبية للجرف القاري التركي، ودي أكتر لفتة احترمها الأتراك ومثلا وزير الدفاع التركي رحب بيها بشكل كبير، خاصة إن دي قضية موضع إجماع في تركيا من كل الأحزاب مش من حزب أردوغان بس.
– اللي أغضب أثينا اللي حاولت تتواصل مع مصر مباشرة بعد كده باتصالات لتغيير الخريطة دي، إلا إن الأمر كان له دلالة على وجود رغبة مصرية لتجنب التوترات الحاصلة في منطقة شرق المتوسط بين القوى الإقليمية بسبب الأزمة القبرصية، ودا اللي علقت عليه صحف يونانية.
– كمان حصلت اتفاقيات الربط الكهربائي اللي اتعملت بين إسرائيل واليونان وقبرص، وبصورة مفاجئة غابت مصر عن الاتفاقيات لأسباب غير واضحة، ومش مفهوم هل مصر اللي قررت تبعد ولا تم استبعادها وبالتالي ممكن التقارب التركي رد فعل.
– كمان مع فشل الحسم العسكري لأي طرف في ليبيا والضغط الدولي في الملف، بالإضافة للتغيرات اللي بتحصل في ملف الغاز، بدأت تركيا ومصر تدي إشارات لبعضهم البعض بإمكانية التفاهم والحوار المباشر، وده اللي أدى لبداية اللقاءات على المستوى الاستخباراتي اللي اتكلمنا عنه، ومن هنا بدأنا نشوف سياسة مصرية متوازنة بين أطراف الصراع في شرق المتوسط.
– ساهم طبعاً في االإسراع بالخطوات دي، وصول الرئيس الأمريكي جو بايدن للحكم، وموقفه السلبي من الرئيس أردوغان اللي انتقد بشده انتهاكاته لحقوق الإنسان، وهيا نفس الانتقادات اللي وجهها بايدن للرئيس السيسي سابقا، ده غير التوقعات من ناحية تانية بمحاولة ضبط أمريكية لمنطقة الشرق الأوسط والعودة للتدخل المباشر بعد انسحاب ترامب، وده ساهم في محاولات التفاهم المشتركة بدل انتظار التدخل الأمريكي اللي هيخصم من رصيد البلدين ويأثر على حركتهم في الملف المهم (الغاز).
*****
إيه اللي نفهمه من اللي بيحصل ده كله؟ وإيه النتايج المتوقعة؟
– بغض النظر عن النتايج النهائية للاتصالات اللي بتحصل بين الحكومتين، يهمنا إننا نأكد على المعنى الرئيسي للسياسة وهي (فن الممكن) وإدارة الموارد والمواقف بأفضل طرق، وبالتالي الحكومتين جه عليهم وقت أدركوا إنه مصلحتهم المباشرة هو الحوار والتواصل ومحاولة التفاهم، وإنه استمرار القطيعة والخلاف هيضر بالطرفين في ظل المتغيرات الجديدة، وبالتالي عند المصلحة الاقتصادية والاستراتيجية تسقط المواقف المتشددة، ويتم الترحيب بالتفاوض والحوار والاتفاق.
– في السياسة وصراعاتها، مفيش طرف بينتصر انتصار كامل ومفيش طرف بينهزم انهزام كامل، لا مصر مثلاً هتجبر تركيا على تسليم آلاف من المواطنين اللاجئين عندها، وتغير خطابها السياسي 100%، ولا تجبر تركيا على إقالة رئيسها مثلاً، ولا العكس إنه تركيا قدرت تغير النظام السياسي المصري أو هتقدر تتجاهله للأبد، ولا تقدر إنها تنتصر في ملفات الخلاف انتصار كامل بدون الحوار مع القاهرة.
– وجدير بالذكر إنه في عز الخلاف والسباب الإعلامي والرسمي المتبادل، كانت لغة المصالح الاقتصادية مستمرة، وحجم التبادل التجاري بين تركيا ومصر كبير، تجاوز في سنة 2018 الـ5 مليار دولار، وبتحتل مصر صدارة الترتيب في حجم التبادل التجاري التركي مع قارة إفريقيا كلها، وبلغت قيمة الصادرات التركية لمصر، 3.3 مليار دولار، واستوردت تركيا منها ما قيمته 1.8 مليار دولار، في 2019.
– وده نفس الدرس اللي المفروض الناس تتعلمه من ملف المصالحة مع قطر، مصر والثلاثي الخليجي كان ليه 13 مطلب وقاطعوا قطر بسببهم لـ 3 سنين، وفي الاخر تمت المصالحة والتسوية وخطوات التفاهم بدون أي شرط من الـ 13 دول، لكن بتفاهمات سياسية جديدة.
– على الجانب المصري التركي، لو حصل ومستوى الاتصالات كبر وبقى في نتايج ملموسة، نتوقع تعاون رسمي بين مصر وتركيا في ملف الغاز وبالتالي إمكانية جذب استثمارات بعد التفاهم بين دولتين عندهم قوة عسكرية ومساحة جغرافية أكبر في الإطلال على غاز المتوسط، وبالتالي تحرك الملف ده لقدام لصالح اقتصاد البلدين، ودا اللي هيحكم الأمور.
– كمان تركيا عندها نفوذ وتواجد عسكري في إفريقيا بتعمله من سنين، وفي إمكانية هنا للاستفادة من التواجد العسكري والسياسي ده في ملف سد النهضة، بالذات وإنه إثيوبيا طلبت الوساطة التركية في ملف الخلاف الحدودي مع السودان في شهر فبراير اللي فات.
– كمان التقارب ده هينعكس بشكل كبير جداً على الملف الليبي، ومش هيكون مستبعد إنه يتعمل خطط مشتركة لإعادة الإعمار في ليبيا تستفيد منها مصر وتركيا بشكل مباشر بحكم التواجد والنفوذ العسكري والاستراتيجي، بدل حالة الإقصاء اللي مورست عليهم من دول أوروبية، خاصة إنه الأطراف السياسية والعسكرية في ليبيا تابعة للبلدين بشكل واضح، وده هيساهم في استقرار ليبيا وإمكانية إنهاء النزاع فيها.
– آخر ملف في الموضوع ده كله هو المعارضين المصريين في تركيا من الإخوان وغير الإخوان، واللي بحسب القوانين التركية والتصريحات الرسمية فمش هيحصل ترحيل لحد، خاصة اللي عليهم أحكام بالإعدام لأنه ده ضد القانون التركي، وأكد مسؤولين أتراك ده أكتر من مرة (على الأقل حتى الآن) ولكن المؤكد إنه هيحصل هو الهدوء وعدم استضافة تركيا لأنشطة معارضة مصرية وقنواتها اللي كانت بتعمل من هناك بدون ضوابط.
-وبالتأكيد منتمناش إنه يحصل أي أذى لأي حد لم يتورط في عنف ولقى ملاذ آمن بعد التضييق الكبير في مصر، وشفنا إزاي اتقبض على الأستاذ الصحفي الكبير جمال الجمل في المطار بمجرد عودته من تركيا. الأستاذ جمال وغيره كتير من الشباب في تركيا كانوا بعيد أصلا عن نشاط القنوات اللي بيشتغل فيها مجموعة قليلة ومحددة، بينما شباب كتير بيشتغلوا في مهن كتيرة ومتنوعة وفي ظروف اقتصادية صعبة جداً.
– طبعاً وارد مش كل الملفات دي تنجح، ومش لازم إنه الموضوع هيتحول لشراكة استراتيجية وتحالف، وممكن يحصل بس تهدئة وتفاهم مؤقت في بعض الملفات، لكن المؤكد إنه الدولتين واخدين قرار إنه لازم يحصل تغيير إيجابي في العلاقة عشان المصالح المباشرة.
*****
– بالتأكيد نتمنى جداً إنه تتم أي خطوات لصالح مصر وشعبها، في ملفات تفيد اقتصادنا وأمننا، وبالتأكيد نتمنى إنه الدولة زي ما هي بتقدر تتفاوض وتتصالح مع دول خارجية كانت بتعاديها وبتختلف معاها بشكل معلن وصل أحياناً لصدامات، إنه ده كمان يحصل مع المصريين داخل مصر، اللي معندهمش أي جريمة سوى إنهم بيعبروا عن رأيهم جوة وطنهم في أمور الحكم.
– السياسة فيها تسويات ومفيهاش عداوات دايمة، وطالما التحالفات ممكن تتغير مع الخصوم والأعداء فمن باب أولى المصالحات دي تتم مع المواطنين المصريين، وبالذات المعتقلين لسنوات وشهور داخل السجون بدون جرايم، دول أولى بالتصالح والتسامح معاهم من أي طرف تاني، وده هيكون ليه مردود إيجابي جداً على البلد وتنتهي فكرة الاعتقال لأصحاب الرأي اللي بالتأكيد ملهمش أي خطورة تقارن بالدول والأخطار الخارجية.
*****



مشاركة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *